Wednesday, November 14, 2012

الصلة بين الزيدية والمعتزلة في الأصول الخمسة

الصلة بين الزيدية والمعتزلة في الأصول الخمسة
الدكتور/ كمال الدين نور الدين مرجوني
رئيس قسم الدعوة والإدارة الإسلامية - جامعة العلوم الإسلامية الماليزية

حديثنا في هذه المقالة عن الصلة بين فرقتي الزيدية والمعتزلة، إذ أن هناك إرتباط راسخ إن لم نقل شبه اتفاق كامل بين الزيدية والمعتزلة في المسائل الاعتقادية وقضاياها، وقد أرجع الشهرستاني -المؤرخ الكلامي الأشعري- هذا الارتباط إلى ما زعمه من تلمذة زيد بن علي على يد واصل بن عطاء وأخذه الاعتزال منه، وعلى الرغم من ذلك لا يسلم ابن الوزير اليمني هذه التلمذة، وفند مارواه الشهرستاني من أن زيدا تتلمذ على واصل بن عطاء، وذلك في قوله: "وأما ما نقله محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر، المعروف بالشهرستاني في كتابه" الملل والنحل" من كون زيد بن علي u قلد واصل بن عطاء ، وأخذ عنه مذهب الاعتزال تقليدا، وكانت بينه وبين أخيه الباقر عليهما السلام مناظرات في ذلك، فهذا من الأباطيل بغير شـك، ولعله من أكاذيب الروافض"([1]).
ومن الحق القول بوقوع التلمذة أى تتلمذ زيد على واصل بن عطاء، ولكن هذه التلمذة لا تؤدي بالضرورة إلى اعتنـاق الإمام زيد مذهب الاعتزال، ويمكن القول على الأقل بأن للإمام زيد نزعة اعتزالية لموافقته لبعض آراء المعتزلة كقوله بالعدل والتوحيد، يقول الشيخ أبو زهرة: "إن رأى زيد في الصفات كان هو رأى واصل"([2]). وعلى أية حال، فليس أمامنا أدلة تثبت على أنه معتزلي المذهب، بل على العكس فإنه من أهل السنة، اقتربت الزيدية من أهل السنة، لذهاب بعض فرقها –كالصالحية والبترية– إلى أن الإمامة تنعقد بالعقد والاختيار، وقالوا بصحة إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، لأن عليا سلم ذلك لهما، وسكت عن حقه بمنزلة رجل كان له حق فتركه([3]). ولذلك نجد الزيدية أقرب فرق الشيعة وأعدلها إلى أهل السنة والجماعة ، لا سيما في بداية ظهورها، وعصر نشأتها، فإنها على ما كان عليه السلف الصالح من العمل بأحكام كتاب الله وسنة رسوله e، وفي ذلك يرى الدكتور إبراهيم مدكور في حديثه عن موقف الزيدية من الألوهيـة بأنههم في الحقيقة كانوا في البداية أقرب إلى السلف ، غير أن فكرة الألوهية عند زيدية اليمن المتأخرين معتزلة خالصة([4]).
وقد نص الإمام ابن تيمية وبين أن زيدا كان من أهل السنة، يقول: "فليست ذرية فاطمة كلهم محرّمين على النار، بل منهم البرّ والفاجر والرافضـة تشهد على كثير منهم، وهم أهل السنة منهم المتولون لأبي بكر وعمر كزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وأمثاله من ذرية فاطمة رضي الله عنها "([5]). وبين محمود شكري الآلوسي أن أئمة أهل البيت -منهم الإمام زيد- كانوا على عقيدة أهل السنة، فيقول: " إن أهل السنة هم أتباع بيت الرسول ، وهم السالكون طريقتهم والمجيبون دعوتهم ، والأئمة الأطهار كانوا على ما عليه أهل السنة الأخيار، كيف لا، وأبو حنيفة ومالك وغيرهما من العلماء الأعلام قد أخذوا العلم عن أولئك الأئمة العظام"([6]).
ومن ناحية تاريخية أشارت المصادر التاريخية وكتب الفرق إلى أن نشأة الزيدية ظهرت مع قيام الإمام زيد بن علي u على ثورته ضد الأمويين، وبايعه على الإمامة خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة الذين سبق لهم أن خذلوا جدّه الحسين بن علي، وتخلوا عنه في معركة كربلاء التي استشهد فيها في سنة 61هـ، إلا أن زيدا أصرّ على استمرار القتال حتى نهاية المطاف ، وخرج بجيشه من الكوفيين إلى والي العراق يوسف بن عمر الثقفي([7])  عامل هشام بن عبد الملك بن مروان -تولى الخلافة من 105 إلى 125هـ-، والتقي الجمعان([8]). فقال أهل الكوفة للإمام زيد: "إننا ننصرك على أعدائك بعد أن تخبرنا برأيك في أبي بكر وعمر اللذين ظلما جدّك علي بن أبي طالب"، فقال زيد: "إني لا أقول فيهما إلا خيرا، وما سمعت أبي يقول فيهما إلا خيرا، وإنما خرجت على بني أمية الذين قتلوا جدّي الحسين، وأغاروا على المدينة يوم الحرة -حيث وقعت معركة على باب طيبة في المدينة، واستحل فيها جيش يزيد بن معاوية المتوفى سنة 63هـ  المحرمات-، وقتل فيها كثير من الصحابة، ثم رموا بيت الله بحجر المنجنيق والنار"، ففارقه الكوفيون عند ذلك فقال لهم: "رفضتموني رفضتموني"، ومن يومئذ سموا رافضة"([9]).
فمن هنا، جاء استخدام لفظ (الرافضة) لأول مرة للدلالة على قوم رفضوا ثورة الإمام زيد ودعوته للخروج على والي العراق في عصره وهو يوسف بن عمر الثقفي. ويؤكد ذلك نشوان الحميري (تـ573هـ)([10]) بقوله: "وسميت الرافضة من الشيعة رافضة، لرفضهم زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، وتركهم الخروج معه، حين سألوه البراءة من أبي بكر وعمر، فلم يجبهم إلى ذلك([11]). ولعل هذا الذي جعل الجاحـظ من المعتزلة يقسم الشيعة إلى فرقتين، إذ يقول: "اعلم رحمك الله أن الشيعة رجلان: زيدي ورافضي، وبقيتهم بدد لا نظام لهم"([12]). ويبدو أنه كان يقصد بالرافضة هنا فرقتين من الشيعة: الإمامية الإثنى عشرية والإسماعيلية الباطنية.
فعلى هذا الأساس، أخطأ من ذهب إلى إطلاق لفظ (الرافضة) على جميع فرق الشيعة من غير استثناء ، فقالوا بأن كل من عرف بتشيعه فهو رافضي ، كما ذهب إليه عبد القاهر البغدادي، حيث يقول: "وأما الروافض، فإن السبئبية منهم أظهروا بدعتهم في زمان عليّ t، فقال بعضهم لعليّ: أنت الأمة فأحرق عليّ قوما منهم ونفى ابن سبأ إلى ساباط المدائن، وهذه الفرقة ليست من فرق أمة الإسلام لتسميتهم عليّا إلها، ثم افترقت الرافضة بعد زمان عليّ t أربعة أصناف: زيدية، وإمامية، وكيسانية، وغلاة" ([13]). وتابعه في ذلك أبو المظفر الإسفرايني، حيث قال: "إن الروافض يجمعهم ثلاث فرق: الزيدية، والإمامية، والكيسانية" ([14]).
وقد أشار إلى هذا الخطأ الإمام أحمد بن موسى الطبري (ت340هـ)([15])، فقال: "وأما قول الحشوية للشيعة: إنهم روافض، فهم غير مصيبين في هذا القول، إنما الروافض هم الإمامية، رفضوا زيد بن علي u بعد البيعة له ... والإمامية فِرَقٌ كثيرةٌ، منهم: القرامطة"([16]). ويقول في موضع آخر: "الإمامية بين الموسوي والإسماعيلي"([17]). وقد أكد الإمام صالح المقبلي (تـ1108هـ)([18]) على أن الزيدية ليست من الرافضة ولا من غلاة الشيعة، فقال: " إن الزيدية ليسوا من الرافضة، بل ولا من غلاة الشيعة في عرف المتأخرين، ولا في عرف السلف، فإنهم الآن مستقر مذهبهم الترضي على عثمان، وطلحة، والزبير وعائشة y فضلا عن الشيخين"([19]).
ومن جانب آخر، فقد ذهب بعض الباحثين إلى أن الزيدية ليست فرقة من فرق الشيعة، وإنما هي تيار من تيارات الفكر المعتزلي، وممن ذهب إلى هذا القول محمد عمارة في كتابه (تيارات الفكر الإسلامي)، حيث رأى أن الزيدية لم يكونوا فرقة مستقلة عن المعتزلة"([20]). وتابعه عبد العزيز المقالح في كتابه (قراءة في فكر الزيدية والمعتزلة) فقال: "الزيدية تيار من تيارات الفكر المعتزلي، ولم يكن صحيحا ما ذهب إليه عدد من الدارسين القدماء والمحدثين  أنها فرقة من فرق الشيعة "([21]). وذهب أيضا إلى هذا الشيخ علي عصفور، حيث استبعد أن تكون الزيدية ضمن فرق الشيعة ، لعدم اعترافهم بالعصمة، فقال: " من نسب هذه الفرقة إلى التشيع، فقد ابتعد أيما بعد عن الواقع، فإنهم خصوا الإمامة في أولاد فاطمة"([22]). ورأوا بأنه إذا كانت فكرة ربط الزيدية بالتشيع آتية من أن المؤسس الأول للزيدية علوي، فإن فكرة الاعتزال قد خرجت من هذا البيت، وليس في ذلك ما يثير الدهشة أو القلق ، وذلك أن واصل بن عطاء تعلَّم على يد أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية. وأن الزيدية تبقى أبعد فرق الشيعة من التشيع والإسراف والغلو في التقدير ... وإذا كانت خلافة علي u هي المرتكز الذي يحدد أبعاد التطرف والمغالاة في الإنكار والإقرار، فقد وقفت الزيديـة من ذلك كله موقفا وسطا، ولم تقبل بكفر الصحابة الذين خالفوا عليا أو قدموا عليه الثلاثة.
ويبدو أن هذا الرأى يحتاج إلى نظر، ذلك لأن روح التشيع واضح عند الزيدية في قضية الإمامة من اشتراطها على أن يكون الإمام من نسل فاطمة سواء من أولاد الحسن أو الحسين. ولامانع أن تكون الزيدية من إحدى فرق الشيعة رغم اعتدالها وبعدها من الغلو والتطرف ، لأن هذه الأشياء -الاعتدال و الغلو- من طبيعة أية فرقة من الفرق. وخاصة أن للزيدية فرقة غالية الموسومة بـ (الجارودية)، وسيظهر هذا جليا في آرائها التي سنسوقها في ثنايا هذا البحث.
ومما يؤيد ذلك قول الإمام صالح المقبلي (تـ1108هـ): "وعوامهم –أى الزيدية– يكادون يلحقون الإمام بالنبي ... وما مذهب إلا وفيه بدعة واضحة ، بل بدع، سيما من اعتمد الرأى، وكلّهم –أعني أهل المذاهب– قد فعل ذلك، ولو في بعض المواضع"([23]). وقد قرر علماء الإمامية بأن الزيدية إحدى أكبر فرق الشيعة، فقال الشيخ المفيد (تـ413هـ)([24]): "إن الشيعة رجلان: إمامي و زيدي"([25]). وقال الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء في حديثه عن مميزات الإمامية الإثنى عشرية عن غيرها من الشيعة: "إن أهم ما امتازت به الشيعة عن سائر فرق المسلمين هو القول بإمامة الأئمة الإثنى عشر، وبه سميت هذه الطائفة إمامية، إذ ليس كل الشيعة تقول بذلك، كيف واسم الشيعة يجري على الزيدية والإسماعيلية والواقفية والفطحية وغيرهم"([26]). وإضافة إلى ذلك أشار نشوان الحميري (تـ573هـ) إلى انقسام الشيعة إلى ست فرق: سبئية، وسحابية، وغرابية، وكاملية، وزيدية، وإمامية([27]). والغريب في الأمر أن الملطي ذهب إلى أن المعتزلة ضمن فرق الزيدية([28]).
هكذا كان انتساب الزيدية إلى الإمام زيد بن عليّ زين العابدين، وتعد فرقة من أكبر فرق الشيعة الثلاث. 
        يبدو أن هناك فارق أساسي بين نشأة الاعتزال كفرقة كلامية مستقلة وبين ظهور مسائلها و أصولها كمسائل كلامية، فأصول الاعتزال هي مثار بحث منذ بواكير الفكر الاسلامي جلها مما خاضت فيه كل المذاهب التي تقدمت نشأة المعتزلة فالقول بالقدر قالت به القدرية والقول بنفي الصفات وخلق القرآن و إنكار رؤية الخالق بالعين قال بها الجهم([29]).
وُتعدُّ المعتزلة من أهم المذاهب العقائدية في الإسلام، لقد ظهرت هذه الفرقة لكسر الجمود الناتج من العكوف على النصوص من المجسِّمة والمشبِّهة وغيرها.
وذهب جمهور المؤرِّخون إلى أن حركة الاعتزال نشأت بمفهومها العلمي الدقيق اعتبارا من بداية القرن الثاني الهجري كما أشار إلى ذلك المقريزي ، فقرر أن المعتزلة ظهروا بعد المائة الأولى من الهجرة في زمن الحسن البصري([30])، وأما بالنسبة إلى المكان الذي انطلقت منه حركة الاعتزال فهو البصرة بالعراق. وقويت شوكة المعتزلة في القرن الثالث بتقربهم لخلفاء بني العباس، خصوصاً عندما تبنى فكر الاعتزال القاضي " أحمد بن فرج بن حريز الإيادي" الشهير في تاريخنا باسم أحمد بن أبي دؤاد([31])، فهذا الرجل هو أحد أهم صناع الدولة (السياسية) للمعتزلة، وهي دولة الخليفة المأمون بن هارون الرشيد، تعاظم شأن ابن أبي دؤاد في خلافة المأمون والمعتصم من بعده، وإن كان المعتصم ليس على نفس درجة الثقافة.
       وقد نشر ابن أبي دؤاد الفكرة الاعتزالية القائلة بخلق القرآن ودعا لفرضها اجتماعياً بالقوة والتعذيب، وكان السبب في سجن الإمام أحمد بن حنبل لمدة ثلاثين شهراً وجلده بالسياط لكي يطيعه في تبني تلك الفكرة ، غير أنه -أحمد بن حنبل- رحمه الله تعالى صمد تاركًا رافضاً تلك المقولة برغم مرضه في السجن، بل إنه كاد يفقد حياته، كان هذا بين يدي الخليفة المعتصم وكان ابن أبي دؤاد يصرخ بأعلى صوته "يا أمير المؤمنين اقتله فإنه كافر".
وعندما ثارت محنة القول بخلق القرآن في المجتمع البغدادي ، كان علي بن المديني -شيخ الإمام البخاري وصديق أحمد بن حنبل– يقف في البداية مشابهاً لموقف أحمد بن حنبل، بل كان يستغرب ممن لا يكفر القائلين بخلق القرآن، لكن عندما انتقلت المحنة لمرحلة أكثر جدية فأصبح الناس يختطفون من بيوتهم بقوة العسكر ويحبسون ويجلدون، تغير موقف ابن المديني تغيراً حاداً، واستجاب لتلك الضغوط وخضع لها، بل إنه اقترب كثيراً من ابن أبي دؤاد بلديّه، فكلاهما في الأصل من أهل البصرة([32]).
        وتنتسب المعتزلة إلى واصل بن عطاء، المعروف بـ "الغزال"، لأنه كان يلازم الغزالين، ولد سنة (80هـ) بالمدينة، وتوفي سنة (131هـ)، كان أئمة البلغاء المتكلمين في علوم الكلام وغيره، ويعد من أوائل المؤلفين في علم الكلام، وكان خطيباً راوية قد لقي الناس، يقول ابن خلّكان: "كان واصل أحد الأعاجيب ذلك أنّه كان ألثغ، قبح اللثغة في الرّا ، فكان يخلّص كلامه من الرّاء ولا يفطن لذلك، لاقتداره على الكلام وسهولة ألفاظه"، وجالس ابن الحنفية وسمع منه ،واختلف إلى الحسن، وكان طويل الصمت، وكان يظن به الخرس([33]) .
        وتميز هذا المذهب العقدي بالأصول التي تعتبر قاسما مشتركا بين جميع فرقها، وهي:
-       أولها: التوحيد.
-       ثانيها: العدل.
-       ثالثها: الوعد والوعيد.
-       رابعها: المنزلة بين المنزلتين.
-       خامسها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهذه تسمى بـ "الأصول الخمسة"عند المعتزلة، فمن وجدت جميعها فيه فهو معتزلياً وإلا فلا، أو بتعبير آخر أن الإنسان يكون معتزليا إذ يعتقد بها جميعها، ولا ينقص منها أو يزيد عليها ولو أصلا واحدا. وفي ذلك يقول الخياط المعتزلي: "وليس يستحق أحد منهم اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة ... فإذا كملت في الإنسان هذه الخصال الخمس فهو معتزلي"([34]). ويقول المسعودي: "فهذا ما اجتمعت عليه المعتزلة ومن اعتقد ما ذكرنا من هذه الأصول الخمسة كان معتزليا، فإن اعتقد الأكثر أو الأقل، لم يستحق اسم الاعتزال، فلا يستحقه إلا باعتقاد هذه الأصول الخسمة، وقد تتوزع فيما عدا ذلك من الفروع([35]).
ومن هنا نرى أنه لا يصح ما قاله الشيخ المفيد الإمامي: "فمن وافق المعتزلة فيما تذهب إليه من المنزلة بين المنزلتين كان معتزليا على الحقيقة وإن ضمّ إلى ذلك وفاقا لغيرهم من أهل الآراء وغلب عليه اسم الاعتزال ولم يخرج عنه دينونته بما لا يذهب إليه جمهورهم من المقال"([36]). وشاركه في الرأي أيضا المستشرقة سوسنة ديفلد في مقدمتها لطبقات المعتزلة لابن المرتضى حيث تقول: "من لم يقر بجميع الأصول الخمسة ... لم يكن ينفى عنه اسم المعتزلة ... وكيفما كان الحال، فإنه يبدو أنه كان يكفي أن يقر الرجل بقول من أقوال المعتزلة حتى يعد منهم"([37]) .
والسوؤال المطروح الآن هو متى ظهر مصطلح الأصول الخمسة؟
لاشك أن واصل بن عطاء هو الذي وضع البذرة الأولى لهذه الأصول الخمسة وفي ذلك يقول الملطي([38]): "وباالبصرة أو ظهور الاعتزال، لأن أبا حذيفة واصل بن عطاء جاء به من المدينة، ويقال معتزلة بغداد أخذوا الاعتزال من البصرة، وأولهم بشر بن المعتمر (تـ 210هـ) فلقي بشر سعيدا وأبي عثمان الزعفراني فأخذ عنهما الاعتزال، وهما صاحبا واصل بن عطاء فحمل الاعتزال والأصول الخمسة إلى بغداد"([39]). لكن هذا المصطلح كان غير واضح عند واصل بن عطاء أوصديقه عمرو بن عبيد لأننا لا نجد في تراثهما ذكر له، حقا إنهم خاضوا في بعض هذه الأصول، ولكن لم يعرف مصطلح الأصول لديها([40]). وقد عدد البغدادي الأصول التي قال بها واصل بن عطاء ثلاثة أصول فقط وهي على النحو التالي: الحكم على صاحب الكبيرة بأنه منزلة بين المنزلتين، والقول بحرية أفعال العباد، وأن أحد الفريقين المتحاربين في واقعة جمل فاسق([41]). ققد وضح هذا المصطلح تماما عند أبي الهزيل العلاف فكتب في الأصول الخمسة بعض فصول كتبه، ويذكر أنه نص رسالة إلى العامة ما سبقه إليها أحد في حسن الكلام ونظامه يذكر فيها العد والتوحيد والوعد والوعيد([42]). فَفَلْسَفَ أبو الهذيل هذه الأصول الخمسة وأرسى قواعدها وأبرز أصول الاعتزال لول مرة بعد أن حصرها في خمسة أصول، ومن ذلك الوقت أصبح مصطلح الأصول الخمسة العلامة المميزة لكل معتزلي. وتعصبت المعتزلة لهذه الأصول الخمسة فكتبوا الكتب الكثيرة يتبرؤن ممن خالفهم فيها ولو كانوا من آبائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم([43]).
وقد تأثر الزيدية بهذه الأصول الخمسة([44]) وهي –التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد([45])، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر–، ولكن الزيدية ألغوا أحد أصولهم وهو (المنزلة بين المنزلتين) وأبدلوه بأصل آخر وهو إثبات الإمامة في آل البيت([46]).
وإضافة إلى ذلك، نستطيع القول بأن الصلة كانت وثيقة بين المعتزلة والزيدية، وعبر ذلك ابن تيمية قائلا: "صار بين المعتزلة والزيدية نسب راجح من جهة المشاركة في التوحيد والعدل"([47]) . وبالإضافة إلى ذلك أن الصلة بينهما تتضح من وجوه:
1)   يروون في كتبهم أن مذهبهم أقدم من نشأته من واصل بن عطاء، ويرجعون أصولهم إلى النبي e، إذ يذكرون أن واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، قد أخذا عن مذهب الاعتزال عن أبي هاشم عبد الله، وأخذه هذا أبيه محمد بن الحنفية، وهذا عن والده علي بن أبي طالب عن النبي e، وقد سئل أبو هاشم عن مبلغ علم أبيه محمد بن الحنفية، فقال: إذا أردتم معرفة ذلك فانظروا إلى أثره في واصل بن عطاء. وقد ذكر المعتزلة في كتبهم الإمام علي بن أبي طالب في الطبقة الأولى من طبقات أئمتهم، والحسن والحسين أبناء علي في رجال الطبقة الثانية، ونسبوا إليهم الاعتزال، وذكروا أيضا الإمام زيد بن علي من رجال الطبقة الثالثة من طبقات أئمتهم([48]).
2)   وقد بايع واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد محمد النفس الزكية، وخرجت المعتزلة مع الإمام الزيدي إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن أبي طالب أخي  النفس الزكية حتى قتل، وقتل معه كثير من المعتزلة([49]) .
3)   ولقد مهد الفكر الاعتزال لأول دولة زيدية في العالم الإسلامي، وحين انتقل إدريس بن عبد الله إلى المغرب، فإن قبيلة (أوربة) التي استجابت لدعوته وسارعت إلى موالاته كانت مهيأة لذلك نتيجة تأثرها بالفكر الاعتزالي، إذ كان واصل بن عطاء قد بعث إليهم أحد تلامذته وهو عبد الله بن الحارث([50]) .
4)   ولم يكن هذا التأثير والتأثر في اتجاه واحد من المعتزلة إلى الزيدية، وإنما كان متبادلا، يدل على ذلك الميل إلى التشيع بين معتزلة بغداد حتى أطلق عليهم (متشيعة المعتزلة)، وكان كثيرون من المعتزلة كمحمد بن عبد الله الاسكافي وغيره ينتسبون إلى زيد بن علي في كتبهم، ويقولون: نحن زيدية، ووصفه الجاحظ في (صنعة الكلام)، ويشهد له بنهاية التقدم فيه، ووصفه جعفر بن حرب في كتابه (الديانة)، وقد شايع الخليفة المأمون الزيدية على أساس صلتهم بالمعتزلة ([51]) .
ويرى بعض الباحثين أن المعتزلة أهل فكر ونظر، بينما غلب على الزيدية جانب العمل، ولذا لم يجار الزيدية المعتزلة في مسائل علم الكلام ودقيقه كالحديث في نظرية الصلاح والأصلح، ونظرية الحسن والقبح العقليين، والاستحقاق والأعواض وغير ذلك من دقيق الكلام([52]) .
والحيققة أن هذا ليس على الاطلاق، لأن الزيدية –كالمعتزلة- تحدثوا وتعمقوا في مسائل الكلام ودقيقه، ففي مذهب الزيدية أعلام ومفكرون تناولوا الحديث عن المسائل الدقيقة في علم الكلام، ويخاصة حين ناقش الزيدية آراء الإسماعيلية الباطنية، ونذكر على سبيل المثال: الإمام يحيى بن حمزة علوي في بعض كتبه كـ: "الإفحام لأفئدة الباطنية الطغام"، و "مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار". والإمام محمد بن الحسن الديلمي في كتابه "قواعد عقائد آل محمد". والإمام القاسم الرسي في كتابه "نقد المسلمين للثنوية والمجوس". والإمام القاسم بن محمد بن علي في كتابه "كتاب الأساس لعقائد الأكياس". والإمام أحمد الشرفي في كتابه "شر ح الأساس الكبير". فكل هذه الكتب مليئة بمسائل الكلام ودقيقه([53]) .
ويلاحظ ابن أبي العز الحنفي -شارح العقيدة الطحاوية- استبدال المعتزلة لأصول الإسلام الخمسة بأصولهم الخمسة، وذلك في حديثه عن أصول الإسلام الخمسة والتي أولها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصوم، والحج : "وقد أبدلتها المعتزلة بأصولهم الخمسة التي هدموا بها كثيرا من الدين: فإنهم بنوا أصل دينهم على الجسم والعرض، الذي هو الموصوف والصفة عندهم، واحتجوا بالصفات التي هي الأعراض، على حدوث الموصوف الذي هو الجسم، وتكلموا في التوحيد على هذا الأصل، فنفوا عن الله كل صفة، تشبيها بالصفات الموجودة في الموصوفات التي هي الأجسام، ثم تكلموا بعد ذلك في أفعاله التي هي القدر، وسموا ذلك "العدل"، ثم تكلموا في النبوة والشرائع والأمر والنهي والوعد والوعيد، وهي مسائل الأسماء والأحكام، التي هي المنزلة بين المنزلتين، ومسألة إنفاذ الوعيد، ثم تكلموا في إلزام الغير بذلك، الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضمنوه جواز الخروج على الأئمة بالقتال"([54]). فهذه أصولهم الخمسة، التي وضعوها بإزاء أصول الدين الخمسة التي بعث بها الرسول. وهذه الأصول منذ أن ظهرت على يد واصل دافع المعتزلة عنها وتبرأوا من مخالفيهم فيها ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو أخواتهم أو عشيرتهم([55]) .   
ويرى المعتزلة أن إثبات هذه الأصول الخمسة تنقسم إلى أقسام ثلاثة:
-       القسم الأول: قسم يثبت بالعقل فقط، وهو التوحيد والعدل. إذن فلا دخل للشرع أو النص في إثبات هذيه الأصلين. يقول القاضي عبد الجبار: "بيان هذا أن الكتاب إنما ثبت حجة متى ثبت أنه كلام عدل حكيم لا يكذب ولا يجوز عليه الكذب، وذلك فرع على معرفة الله تعالى بتوحيده وعدله، وأما السنة فلأنها إنما تكون حجة متى ثبت أنها سنة رسول عدل حكيم"([56]). ونتساءل عن هذا الكلام، أنه إذا كان النص كما يزعم المعتزلة لا يمكن أن يستدل به على أصل التوحيد والعدل، فما قيمة الآيات الواردة في القرآن الكريم لتدل على وحدانية الله تعالى، ونفي الشريك والشبيه عنه، ولتدل على عدله بنفي الظلم عنه تعالى؟
-       القسم الثاني: قسم يثبت بالنص فقط، وهو أصل "المنزلة بين المنزلتين"، وهو ما يسمى عندهم بـ "مسألة الأسماء والأحكام" وهي مسألة شرعية لا مجال للعقل فيها، لأنها كلام في مقادير الثواب والعقاب، وهذا لا يعلم عقلا.
-       القسم الثالث: وقسم يشترك في إثباته النص والعقل، وهو أصل "الوعد والعيد". وما يتعلق بهما، فهذه الأحكام إنما تعلم بالخطاب وما يتصل به، ولولاه لما صح أن يعلم بالعقل، الصلوات الواجبة، ولا شروطها، ولا أوقاتها، وكذلك سائر العبادات الشرعية. ولكن المعتزلة اختلفوا في طريق إثبات هذا الأصل، فهل بالعقل أو بالسمع أو بهما معا، فأبو هذيل العلاف والنظام ذهبا إلي القول بأن الوعيد إنما يعلم بالسمع([57])، وأما القاضي عبد الجبار فيرى أن إثبات الوعيد بالعقل والسمع معا([58]).
وفي أصل "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، فذهب أبو علي إلى أن ذلك يعلم عقلا، ويرى أبو هاشم أنه يعلم عقلا إلا في موضع واحد وهو أن يرى أحدنا غيره يظلم أحدا فيلحقه بذلك غم، فإنه يجب عليه النهي ودفعه دفعا لذلك الضرر الذي لحقه من الغم عن نفسه، فأما فيما عدا هذا الموضع فلا يجب إلا شرعا([59]). وأما القاضي عبد الجبار فيرى إثباته بالنص والعقل معا، حيث قال: "قد دل الكتاب والسنة والإجماع على وجوب ذلك، فقال الله تعالى: ]لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ عَلَىَ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وّكَانُواْ يَعْتَدُونَ[ -سورة المائدة، الآية: 78- والأدلة على ذلك لا تحصى، والعقل يبين أن من الإحسان أن نمنع الغير من القبيح ويكون المانع عند ذلك أقرب" ([60]) .
يتبين ما سبق أن المعتزلة اتفقوا على أن التوحيد والعدل أصلان يثبتان بالعقل ولا مجال في إثباتهما للسمع، كما اتفقوا على أن الأحكام الشرعية التي ترد في بقية الأصول مما تستقل به الدلالة السمعية، وذلك مثل الثواب والعقاب وما يتعلق بكيفية عذاب القبر من أنه تعالى يبعث ملكين يقال لأحدهما منكر والآخر نكير فيسألانه ثم يعذبانه أو يبشرانه حسب ما وردت به الأخبار، فإن ذلك مما لا يهتدي إليه من جهة العقل، وإنما الطريق إليه السمع. وأما ما يشترك فيه الدلالتان فهو أصل "الوعد والوعيد" وذلك على الوجه الذي بيناه في الخلاف بين أئمة المعتزلة([61]).
وحصيلة الرأي أن هناك إرتباط متين بين الزيدية والمعتزلة في المسائل الاعتقادية وقضاياها، ولعل لهـذه النزعة الاعتزاليـة جعلت أتباع الإمام زيد إلى عصـر الإمام صالح المقبلي (تـ1108هـ) يتمسكون بمبادئ المعتزلة ، فيرى أن الزيدية باليمن هم معتزلة في كل الموارد إلا في شيء من مسائل الإمامة ، وهي مسألة فقهية ، وإنما عدها المتكلمون من فنهم لشدة الخصام ، كوضع بعض الأشاعرة المسح على الخفين في مسائل الكلام([62]). وأشار في موضع آخر إلى أن الزيدية يوافقون المعتزلة في العقائد ، وأما في الفروع فأئمتهم يختلفون ، منهم من يغلب عليه مذهب الحنفية ، ومنهم من يغلب عليه مذهب الشافعي موافقة لا تقليدا، ومنهم من لم يكن كذلك ، بل شأنهم شأن سائر المجتهدين([63]). وثمة مظهر آخر أورده نشوان الحميري (تـ573هـ) أن كثيرا من معتزلة بغداد كمحمد بن عبد الله الإسكافي وغيره ، ينسبون إليه في كتبهم ، ويقولون : نحن زيدية([64]).
ومما سبق من أقوال ونصوص، إن دل على شيء فإنما يدل على وجود العلاقة الوطيدة التي تربط بين الزيدية والمعتزلة ، فعلى المستوى الشخصي نجد زيد بن عليّ وواصل بن عطاء على علاقة بينهما ، وقد فسر تلك العلاقة الأستاذ سليمان الشواشي في بحثه عن (واصل بن عطاء وآراؤه الكلامية) فيرى أن واصلا يميل إلى التشيع ، ولكن تشيعه ليس من جنس تشيع السبئية أو الكيسانية أو غيرهما من الفرق الشيعية ، وإنما هو مجرد عطف وولاء للبيت العلوي ، وهذا التعاطف نحو آل البيت لم يكن مقصورا على واصل وصحبه ، بل كان سائدا حتى أوساط أهل السنة كالحسن البصري ، وأبو حنيفة ، ومالك بن أنس وغيرهم ، فهؤلاء عرفوا بولائهم للبيت العلوي ومناهضتهم للسلطة الأموية ، ومن هنا ، فمن المرجح أن تشيع واصل وعداءه للسطلة الأموية ، قد وطدا العلاقة بينه وبين أئمة أهل البيت عدا جعفر الصادق الذي أظهر عدم الود له ([65]) .
وأن أصولهم الخمسة كانت وليدة المناقشات التي كانت تقوم بينهم وبين مخالفيهم، فالتوحيد للرد على المشبهة والمجسمة، والعدل كال للرد على الجهمية، والوعد والوعيد للرد على المرجئة، والمنزلة بين المنزلتين جاءت ردا على الخوارج.



([1]) العواصم والقواصم، 5/308.
([2]) الإمام زيد، ص 225.
([3])       انظر : شرح رسالة الحور العين ، نشوان الحميري ، ص 155 . شرح الأساس الكبير ، الإمام أحمـد الشرفي ، 1/145 . كتاب الملل والنحل ، الإمام أحمد بن يحيى المرتضى ، 1/34 ، ضمن مقدمة البحر الزخار . المعالم الدينية في العقائد الإلهية ، الإمام يحيى بن حمزة ، ص 131 ، تحقيق : سيد مختار محمد أحمد حشاد ، دار الفكر المعاصر ، بيروت – لبنان ، ط1/1988م .
([4])        انظر : في الفلسفة الإسلامية – منهج وتطبيقه – ، 2/61- 62 ، سميركو للطباعة والنشر ، القاهرة ، ط2 ، بدون تاريخ .
([5]) منهاج السنة ، 4/64 ، تحقيق : د. محمد رشاد سالم ، مؤسسة قرطبة ، ط1/1406هـ.
([6])مختصر التحفة الإثنى عشرية ، ص 34 ، تحقيق وتعليق : الأستاذ محب الدين الخطيب ، المطبعة السلفية ، القاهرة ، 1373هـ
([7]) هو أبو يعقوب يوسف بن عمر بن محمد بن أبي عقيل بن مسعود الثقفي ، ولاه هشام بن عبد الملك اليمن سنة (106هـ)، ثم ولاه العراق سنة ( 120هـ )، ولما ولى يزيد بن عبد الملك حبسه وبقي في السجن إلى أن قتل سنة 127هـ على يد يزيد بن خالد بن عبد الله القسري. انظر: ابن العماد الحنبلي، بدون تاريخ، شذرات الذهب، 1/158، بيروت، دار الكتب العلمية.
([8]) انظر: ابن العماد ، شذرات الذهب ، 1/158، بدون تاريخ، بيروت–لبنان، دار الكتب العلمية. أحمد بن عبـد الله القلقشندي، ط2/1985م، مآثر الاناقة في معالم الخلاف، 1/152، الكويت، تحقيق : عبد الستار أحمد فراج ، مطبعة حكومة الكويت .
([9]) البغدادي، ط2/1977م، الفرق بين الفرق، ص 25، بيروت، دار الآفاق الجديدة. الأشعري، ط2/بدون تاريخ، مقالات الإسلاميين، ص 65، بيروت ، تحقيق : هلموت ريتر، دار إحياء التراث العربي.
([10]) هو نشوان بن سعيد بن سعد الحميري ، أحد علماء اليمن الكبار، مؤرخ زيدي ، توفي سنة 573هـ، ومن أهم مؤلفاته: "شرح رسالة الحور العين" و "شمس العلوم". انظر:إبراهيم بن القاسم بن الإمام المؤيد بالله، طبقات الزيدية الكبرى، 2/1173 – 1174.
([11]) نشوان الحميري، بدون تاريخ، شرح رسالة الحور العين، ص 184 ، القاهرة، تحقيق: كمال مصطفى، مكتبة الخانجي.
([12]) الجاحظ، بدون تاريخ، رسائل الجاحظ، ص 207، القاهرة، تحقيق: عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي.
([13]) الفرق بين الفرق، ص 15.
([14]) الأسفراييني، 1999م، التبصير في الدين، ص 24، القاهرة،  المكتبة الأزهرية للتراث، تحقيق: محمد زاهد الكوثري.
([15])هو الإمام أحمد بن موسى الطبري، أبو الحسين ، من أصحاب الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين ، ولد سنة 268هـ، وتوفي سنة 340هـ، وأهم مؤلفاته: "المنير" و "مجالس الطبري". انظر: إبراهيم بن القاسم بن الإمام المؤيد بالله، طبقات الزيدية الكبرى، 1/212.
([16]) أحمد بن موسى الطبري، 1421هـ، كتاب المنير، ص 277-278، تحقيق: علي سراج الدين عدلان صعدة، اليمن، مركز أهل البيت للدراسات الإسلامية.
([17]) المصدر السابق، ص 32.
والجدير بالذكر هنا، أن الزيدية لا يفرق ردّهم على الإمامية والإسماعيلية في مسألة الإمامة وغيرها من الأمور المشتركة أو المتفقة وجهة نظرهم، كما فعل ذلك الإمام أحمد بن سليمان (تـ566هـ)، وقد صرّح بذلك قائلا: "والرد على هؤلاء وعلى أهل الكفر واحد" . أحمد بن سليمان، 2003م ، كتاب حقائق المعرفة في علم الكلام، ص 501، صنعاء -اليمن، تحقيق: حسن بن يحيى اليوسفي، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية.
([18]) هو الإمام صالح بن أحمد بن مهدي المقبلي الصنعاني، من أعلام الزيدية، داعية اللامذهبية، ولد في صنعاء سنة 1047هـ، وقد قام في كتابه (العلم الشامخ) بالنقد لأفكار المذاهب الإسلامية في عصره خاصة المعتزلة والأشاعرة والصوفية، وتوفي في مكة سنة 1108هـ. انظر: إبراهيم بن القاسم بن الإمام المؤيد بالله، طبقات الزيدية الكبرى، 1/502. الشوكاني، البدر الطالع، 1/288.
([19]) العلم الشامخ، ص 399، مكتبة دار البيان دمشق-سوريا، بدو تاريخ.
([20]) انظر: ص 119 من الكتاب، مصر ، 1997م، دار الشروق.
([21]) ص 49 من الكتاب، 1982م، بيروت، دار العودة.
([22]) علي عصفور، شبهات حول التشيع، ص 42، نشر جمعية دنيا الإسلام.

([23]) العلم الشامخ، ص 389 – 390 .
([24]) هو محمد بن محمد النعمان بن عبد السلام بن جابر بن النعمان العكبري ، الملقب بـ( الشيخ المفيد) ، ويعرف بـ (ابن المعلم) ، عالم إمامي ، ولد سنة 336هـ  في قرية (عكبرا) من أعمال بغداد ، وتوفي في بغداد سنة 413هـ ، ومن أهم مؤلفاته : "أوائل المقالات في المذاهب والديانات" و "شرح عقائد الصدوق" . انظر : الذهبي، 1413هـ ، سير أعلام النبلاء ، 17/344 ، رقم : 213 ، تحقيق : شعيب الأرناؤوط ، و محمد نعيم العرقسوسي ، بيروت – لبنان ، مؤسسة الرسالة . ابن العماد ، شذرات الذهب ، 2/149 .
([25])المفيد ، 1399هـ ، الإرشاد ، ص 195 ، ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي .
([26])الغطاء ، 1993م ، أصل الشيعة وأصولها ، ص 62 ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي .
([27])انظر : شرح رسالة الحور العين ، ص 154 .
([28])انظر : الملطي ، 1949م ، التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ، ص 39 ، تحقيق : محمد زاهد الكوثري ، القاهرة ، مكتبة الثقافة الإسلامية .
([29])  انظر: الدمشقي، تاريخ الجهمية والمعتزلة، ص 5.
([30])  انظر: خطط المقريزي، جـ 4 .
([31]) هو أبو سليمان أحمد بن أبي دؤاد (تـ 240هـ)، عربي من أياد، أخذ الاعتزال عن هياج بن العلاء السلمي، صاحب واصل بن عطاء، كان قاضيا للقضاة، ثم وزيرا، واستمر علو نجمه ثمانية وعشرين سنة (204 – 232هـ)، ولقد أخذ عنه المأمون في وصيته للمعتصم: "وأبو عبد الله أحمد بن داؤد لا يفارقك الشركة في المشورة في كل أمرك، فإنه موضع ذلكك ... "، وهو الذي جعل الاعتزال مذهب الدولة الرسمي، بعد أن فشل في ذلك ثمامة بن أشرس، وهو معدود في الطبقة السابعة من طبقات المعتزلة، ويذكر ابن المرتضى الزيدي المعتزلي أن وفاته كانت سنة 263هـ لا سنة 240 هـ. انظر : ابن المرتضى، المنية والأمل، ص 35 – 45. الخياط، الإنتصار، ص 224 – 225. د. البير نصري نادر ، فلسفة المعتزلة، جـ 1، ص 29 – 30، طبعة الاسكندرية ، بدون تاريخ .
([32])  الذهبي، سيرة أعلام النبلاء، 9/339.
([33])  الجاحظ، البيان والتبيان، 1/32 - 3 .
([34]) الخياط، ط2/1993م، كتاب الانتصار، ص 126 – 127، مكتبة الدار العربية للكتاب، القاهرة، تحقيق: د. نيبَرج.
([35]) المسعودي، مروج الذهب، 3/235.
([36]) الشيخ المفيد، ص 37.
([37]) سوسنة ديفلد، مقدمة طبقات المعتزلة، ص ح.
([38]) هو أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحيم الملطي، أصله منه مالطية في عسقلان، شافعي المذهب، توفي بعسقلان عام 377هـ / 987م. انظر: فؤاد سزكين، تاريخ التراث العربي، 2/382.
([39]) الملطي، التنبيه والرد، ص 43.
([40]) علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، 1/416.
([41])انظر: الفرق بين الفرق، ص 5.
([42]) الملطي، التنبيه والرد، ص 43.
([43]) الملطي، التنبيه والرد، ص 43.
([44]) راجع كتابنا: "موقف الزيدية وأهل السنة من العقيدة الإسماعيلية وفلسفتها"، دار الكتب العلمية، بيروت، 2009م.
([45]) وسمى الإمام يحيى بن حمزة هذا الأصل بالاستحقاقات، لأن القضية الرئيسية عند المعتـزلة والزيدية أن كلا من الثواب والعقاب استحقاق، الأول على الطاعة، والثاني على المعصية. مقدمة المعالم الدينية في العقائد الإلهية، سيد مختار حشاد، ص 31 .
([46]) وللتوسع في تأثر الزيدية بالمعتزلة راجع: العلم الشامخ، صالح المقبلي . الإمام زيد، الشيخ أبو زهرة، ص 208. الزيدية، د. أحمد محمود صبحي، ص 115 وما بعدها. قراءة في فكر الزيدية والمعتزلة، د. عبد العزيز المقالح . أصول الاتفاق في القضايا الكلامية بين الزيدية والمعتزلة، رسالة ماجستير  للدكتور أحمد عبد الله عارف، مقدمة إلى قسم الفلسفة الإسلامية ، بكلية دار العلوم جامعة القاهرة ، سنة 1982م . بإشراف أستاذي : أ.د. مصطفى حلمي .
          وهناك رسالة الدكتوراه في جامعة الأزهر فرع البنات بالقاهرة، قدمتها الدكتوره عائشة يوسف المناعي،  وهي تشرح لنا قربة هذين المذهبين في المسائل الاعتقادية، وعنوان الرسالة كما هي مطبوعة "أصول العقيدة بين المعتزلة والشيعة الإمامية". دار الثقافة، الدوحة – قطر، ط1/1992م.   
([47]) ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، 1/16.
([48]) المقريزي، الخطط، 2/352. القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال، ص 68، 215-229.
([49]) الأصفهاني، مقاتل الطالبين، ص 293-294. القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال، ص 117.
([50]) ابن المرتضى، المنية والأمل، ص 1/35.
([51]) الصاحب بن عباد، 1986م، الزيدية، ص 242، لبنان، الدار العربية للمطبوعات.
([52])أحمد شوقي إبراهيم العمرجبي، الحياة السياسية والفكرية للزيدية، ص 226 -227.
([53])ولمزيد من التفصيل راجع رسالتي الدكتوراه "جهود الزيدية في الرد على الباطنية"، مطبوع بدار الكتب العلمية بيرون سنة 2009م، وبعنوان "موقف الزيدية وأهل السنة من العقيدة الإسماعيلية وفلسفتها". 
([54]) ابن أبي العز، شرح العقيدة الطحاوية، 2/212.
([55]) المطلي، التنبيه والرد، ص 42.
([56])  شرح الأصول الخمسة، ص 88 - 89.
([57])  الخياط، الإنتصار، ص 93 .
([58])  شرح الأصول الخمسة، ص 619.
([59])  شرح الأصول الخمسة، ص 742.
([60])  عبد الجبار، المختصر في أصول الدين، 1/248، ضمن رسائل العدل والتوحيد.
([61])  انظر: د. عائشة يوسف المناعي، أصول العقيدة بين المعتزلة والشيعة الإمامية، ص 93 وما بعدها.
([62]) العلم الشامخ ، ص 11 .
([63]) المصدر السابق ، ص 389 .
([64]) شرح رسالة الحور العين ، ص 186.
([65]) انظر : ص 303 – 306 ، الدار العربية للكتاب ، ليبيا ، 1993م .



Saturday, November 10, 2012

إشكالية التأويل في المنهج الظاهري

إشكالية التأويل في المنهج الظاهري
"ابن حزم نموذجا"
الدكتور/ كمال الدين نور الدين مرجوني
رئيس قسم الدعوة والإدارة الإسلامية بجامعة العلوم الإسلامية الماليزية

          "يرجع المذهب الظاهري من حيث النشأة إلى داؤد بن علي بن داؤد بن خلف الاصبهاني المُكنَي بأبي سليمان، ومولده بالكوفة عام 202هـ، وتوفي ببغداد عام 270هـ، فهو أول من أعلن القول بالظاهر بمعنى التصنيف فيه، وبثه، والدعوة إليه. وقد كان شافعياً أول أمره، بل هو أول من صنف في مناقب الشافعي. وينسب إلى أصبهان، وهي مدينة لا تزال قائمة إلى الآن في إيران، وهي مدينة من مدن الجبا، و " أَصْبَهان " بكسر الهمزة وفتحها - وهو الأشهر - وسكون الصاد المهملة، وفتح الباء الموحدة - ويقال: بالفاء أيضاً - وفتح الهاء وبعد الألف نون"

      تلقى داود الظاهري العلم ببغداد على يد أبي ثور وإسحاق بن راهويه وعدد من تلاميذ الإمام الشافعي. وسمع الكثير من الحديث، ثم اتجه للظاهر، وأنكر القياس. فقد قال بأخذ الأحكام من ظواهر النصوص، من غير تعليل لها. فهو بذلك ينفي القياس في الأحكام قولاً. وانتشر المذهب الظاهري في عهد مؤسسه، برغم المعارضة الشديدة لهذا المذهب. وكان انتشار المذهب بما قام به داود من كثرة التأليف، فقد ألف كتبًا كلها سنن وآثار مشتملة على أدلته التي أثبت بها مذهبه. ولا شك أن الكتب بذاتها آثار مستمرة ، تدعو إلى مذهب مؤلفيها وتبقى سجلاً لأفكارهم. وقد كان عنده حديث كثير. وكان فصيحاً حاضر البديهة، سريع الاستدلال. كما كان جريئاً فيما يعتقد أنه الحق، لا يهاب النطق به، ولا يخشى فيه لومة لائم. وكان مع جرأته ناسكاً عابداً، يعيش على القليل أو أقل القليل. فكان يرد الهدايا ولا يقبلها. وفضلاً عن ذلك فقد كان جم التواضع، لا يتعالى على أحد بعلمه، كما لا يستطيل على الناس بعبادته. وهذا كله ساهم في نشر مذهبه، لكن بشكل محدود.
     ويحدثنا الإمام تاج الدين السُّبكي الشافعي عن محاسن عدد من الفقهاء – ومنهم داود الظاهري –، حيث قال: " ونعتقدُ أنَّ أبا حنيفة، ومالكاً، والشافعيَّ، وأحمدَ، والسُّفْيَانّين، والأوزاعيَّ، وإسحاق بنَ راهوية، وداود الظاهريَّ، وابن جرير، وسائرَ أئمة المسلمين: على هُدىً من الله تعالى في العقائد وغيرها، ولا التفاتَ إلى من تَكلَّم فيهم بما هم بريئون منه، فقد كانُوا من العلوم اللَّدُنِّيَّةِ، والمواهب الإلهية، والاستنباطات الدقيقة، والمعارفِ الغزيرة، والِّينِ والوَرَعِ والعبادةِ والزهادةِ والجلالة: بالمحلِّ الذي لا يُسامى " ( ) .
      وبالرغم من اهتمام تلاميذه بنشر كتبه، فإن عدم تبني السلطان للمذهب يعني عدم انتشاره. ومما ساهم في اندثاره: عدم اعتماده على المصادر الاجتهادية المرنة التي تعطي للفقه الإسلامي قابلية التطور والنمو. فبدء المذهب الظاهري يتلاشى بعد داود وابنه شيئاً فشيئاً. لكن لما ظهر ابن حزم الأندلسي في القرن الخامس الهجري، تهيأت بجهوده واجتهاداته الظروف لانتشار المذهب الظاهري من جديد. فقد خدم ابن حزم المذهب الظاهري بما قام به من وضع لأصوله وتدوينها في كتب عديدة، تضمنت بجانب ذلك دفاعه عن المذهب. ومن هنا يحسن بنا أن نعرف شيئا من شخصية ابن حزم الظاهري لدوره الفعال في نشر وبث المذهب الظاهري. ولد أبو محمد علي المشهور بابن حزم بقرطبة عام 384هـ، قال القاضي صاعد بن أحمد التَّغْلبيُّ (462هـ): "كتبَ إليَّ ابنُ حزمٍ ـ بخطِّه ـ يقول: ولدتُ بقرطبةَ، في الجانب الشَّرقي، في رَبَضِ منية المغيرة، قبل طلوع الشَّمس، وبعد سلام الإمام من صلاة الصُّبح، آخر ليلة الأربعاء، آخر يومٍ من شهر رمضانَ المعظَّم ـ وهو اليوم السابع من نُوَنْيِر ( ) ـ سنة أربع وثمانين وثلاث مئة، بطالع العقرب، وتوفي عام 456هـ. وقد نشأ في بيت له سلطان وثراء وجاه. فنشأ في تنعُّمٍ ورفاهيَّةٍ، ورُزِقَ ذكاءً مفرطاً، وذهناً سيَّالاً، وكتباً نفيسةً كثيرةً. وكان والده من كُبَراء أهل قرطبة؛ عمل الوزارة في الدَّولة العامرية، وكذلك وَزَرَ أبو محمَّد في شَبِيبَتِهِ( ) .
      فلقد حدد ابن حزم تاريخ ميلاده في رسالة أرسلها إلى القاضي صاعد بن أحمد الأندلسي (تـ 462هـ) أنه ولد في آخر يوم من أيام رمضان سنة 384هـ، وكانت ولادته في تلك الليلة بعد الفجر، وقبل طلوع الشمس( ) . وقد أعجب بهذا التحديد الدقيق الشيخ أبو زهرة قائلا: "لا يكاد الباحث الدارس يجد عالما عظيما قد عرف وقت ميلاده بطريق التعيين، ولكن يعرف وقت وفاته بالتعيين، لأنه ولد مغمورا وما مشهورا، فكان وقت الولادة غير معلوم على وجه التحقيق ووقت الوفاة كان معلوما، وإن ابن حزم على غير ذلك، فقد عرف وقت ولادته، وعين لا بالسنة فقط، بل بالشهر واليوم وجزء اليوم الذي ولد فيه"( ) .
      وكان ولادته في بيت يتمتع بالثراء والرياسة والوجاهة – حيث كان والده أحمد بن سعيد من كبار الوزراء في وزارة المنصور بن أبي عامر ثم ابنه المظفر من بعده –، حافظاً، عالماً بعلوم الحديث وفقهه، مُسْتنبطاً للأحكام من الكتاب والسُّنَّة، متفنِّناً في علوم جمَّةٍ، عاملاً بعلمه، زاهداً في الدُّنيا بعد الرئاسة التي كانت له ولأبيه من قبله من الوزارة وتدبير الممالك، متواضعاً، ذا فضائل جمَّة، وتواليف كثيرة في كلِّ ما تحقَّق به في العلوم، وجمع من الكتب في علم الحديث، والمصنَّفات، والمُسندات؛ شيئاً كثيراً ، وسمع سماعاً جمَّاً. وأقبل على الفلسفة وعلم اللسان، فبلغ في كل ذلك مرتبة عالية، ثم اتجه من بعد ذلك إلى الفقه، فدرسه على مذهب مالك، مع أنه من مذاهب أهل الرأي، لأنه كان مذهب الأندلس في ذلك الوقت. ثم لم يلبس أن انتقل إلى المذهب الشافعي، فأعجبه تمسكه بالنصوص، واعتباره الفقه نصاً أو حملاً على النص ، وشدة حملته على من أفتى بالاستحسان. ولكنه لم يلبث إلا قليلاً في الالتزام بالمذهب الشافعي، حتى اطلع على كتب داود الظاهري فترك مذهب الشافعي لما وجد أن الأدلة التي ساقها الشافعي لبطلان الاستحسان تصلح لإبطال القياس وكل وجوه الرأي أيضاً. فاتجه إلى الأخذ بالظاهر، وشدد في ذلك، حتى أنه كان أشد من إمام المذهب الأول داود الأصفهاني. قال عنه أبو مروان بن حيان: «مال أولاً إلى النظر على رأي الشافعي، وناضل عن مذهبه حتى وُسِمَ به. فاستهدف بذلك لكثير من الفقهاء (المالكية)، وعِيبَ بالشذوذ. ثم عدل إلى قول أصحاب الظاهر، فنّحه وجادل عنه وثبت عليه إلى أن مات».
     وتكاد تجمع المصادر التي ترجمت لأبي محمد بن حزم على أنه كان قرشيا بالولاء، فارسيا بالجنس، وإنه لذلك الولاء كان يتعصب لبني أمية، بعادي من عاداهم ويوالي من والاهم، ولا يشذ عن هذا الاتفاق على نسبه إلا ابن حيان وابن سعيد والمؤرخ الأسباني سانتشث البرنس، ودكتور طـه الجابري، حيث يذهب هؤلاء إلى كون ابن حزم أسبانيا ( ) . ولكن غالبية المؤرخين الذين تناولوا سيرة ابن حزم أكدوا على فارسيته، ويفخر ابن حزم نفسه بكونه فارسيا وبولائه لبني أمية في إحدى قصائده التي منها:
سما بي ساسان ودارا وبعدهم قريش العلي أعياصها والعنابس
فما أخرت حرب مراتب سؤددي ولا قعدت بي عن ذري المجد فارس ( ) .
     وعمل ابن حزم فترة في السياسية محاولاً إعادة إنشاء دولة قوية للمسلمين في الأندلس، بعد أن مزقت دويلات الطوائف الخلافة الأموية. وكان أيضاً من المجاهدين الأبطال ضد النصارى بسيفه وقلمه. وله دفاع عظيم عن الإسلام، إذ قام بإبطال ما كان يثيره اليهود والنصارى من افتراءات ضد الإسلام وأهله. وكان ابن حزم عالماً فذاً، تمتع بحافظة قوية واسعة، ورواية للحديث غزيرة، واطلاع مذهل على كتب الفقه. وما دخل الأندلس رجلاً أوسع منه معرفة، إلا أن يكون معاصره ابن عبد البر، فهما قرينا . وكان له مع هذه الحافظة الواعية. وكان ذا بصر بعلوم كثيرة من حديث وفقه وجدل ونسب، وما يتعلق بأذيال الأدب، مع المشاركة في أنواع من العلوم القديمة كالمنطق والفلسفة. كما أن لابن حزم دراسات نفسية وخلقية، وقد وضحت الدراسة النفسية في كتابه طوق الحمامة ووضحت دراسته الخلقية في رسالة مداواة النفوس. وقد أفادنا ابن حزم بمؤلفات كثيرة نافعة في كثير من العلوم الدينية وغير الدينية. ويثني ابن حزم على باحثي علم المنطق حيث يصفهم بأنهم: "قوم نظروا بأذهان صافية، وأفكار نقية من الميل، وعقول سليمة، فاستناروا بها، ووقفوا على أغراضها، فاهتدوا، فاهتدوا بمنارها، وثبت التوحيد عندهم ضرورية لا محيد عنها ... ووجدوا هذه الكتب الفاضلة كالرفيق الصالح، والخدين الناصح، والصديق المخلص" ( ) .
     ومن المعروف أن الظاهرية مذهب فقهي ( ) يقوم على ظواهر النصوص من الكتاب والسنة، فلا يتمسك بالرأي في حكم من أحكام الشرع. فلا يستخدمون القياس( )، والاستحسان( )، وسد الذرائع( )، ومصالح المرسلة( ). وإن لم يكن من نص، فيؤخذ بحكم الاستصحاب( ) الذي هو الإباحة الأصلية، حيث قرر الظاهرية أن الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما جاء به نص يثبت تحريمه، فقد قال تعالى عند نزول آدم إلى الأرض: وَلَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِيْن، فإن الله تعالى أباح الأشياء بقوله إنها متاع لنا، ثم حظر ما شاء، وكل ذلك بشرع.
     وعلى هذا تكون الأصول التي ينبني عليها الفقه الظاهري أربعة: الكتاب، والسنة والإجماع، والاستصحاب.
      فيتميز الظاهرية بالاهتمام الشديد بالنصوص وذلك لطبيعة منهجهم المتجه للكتاب و السنة؛ فتجد كتبهم مليئة بالنصوص الشرعية من الكتاب و السنة. ويحكي لنا ابن تيمية شيئا من رأي الظاهرية فقال: "ومن لم يلحظ المعاني من خطاب الله ورسوله ، ولا يفهم تنبيه الخطاب وفحواه من أهل الظاهر، كالذين يقولون إن قوله :  فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ  – الإسراء : 23 – لا يفيد النهي عن الضرب، وهو إحدى الروايتين عن داود ، واختاره ابن حزم. وهذا في غاية الضعف. بل وكذلك قياس الأَولى، وإن لم يدل عليه الخطاب، لكن عُرِفَ أنه أولى بالحُكم من المنطوق بهذا. فإنكاره من بدع الظاهرية التي لم يسبقهم بها أحدٌ من السلف. فما زل السلف يحتجون بمثل هذا ( ) . وتعتبر الظاهرية من الاتجاهات التي لم تحظ بتحديد دقيق أو تعريف جامع من قبل مؤسسيها وأقطابها، فليست في كتب أي محمد بن حزم المطبوعة تقريبا أية إشارة إلى تعريف للظاهر يسم منهجه ويذكر شروطه وحدوده، ويتبسط في شرح فكرته ويمثل لها. ويرجع أبو عبد الرحمن الظاهري أن يكون السبب في ذلك أن كتب ابن حزم الفقيهة والأصولية المطبوعة من مؤلفات الأخيرة التي كتبها إنما كانت لتطبيق الظاهرية لا لشرحها ( ) .
     وقد تأثر كثير من العلماء بالظاهرية أو بابن حزم على وجه الخصوص كابن الأمير والشوكاني -من علماء الزيدية- ( ) ، حتى قيل أن محي الدين بن عربي تأثر كذلك به إلا أنه نفى بشدة فقال : "نسبوني إلى ابن حزم وإني لست ممن يقول: قال ابن حزم، لا ولا غيره، فإنه مقالتي، قال: نص الكتاب، ذلك علمي أو يقول الرسول أو أجمع الخلق، على ما أقول، ذلك حكمي" ( ) . وقد وصفه المشتشرقون الأوربيون بمؤسس علم الأديان المقارن من أجل كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل ( ) .
     يتضح مما سبق أن المذهب الظاهري قام على يد عالمين هما (داود الظاهري) و(وابن حـزم). فأصّله داود، وزاده ابن حزم تأصيلا وتجديداً. ولا يلجأون إلى القياس إلا حين الاضطرار إليه. ولا شكّ أن ألمعية ابن حزم وشهرتَه زادتهُ قوّة وأكثر جمعاً، أعجبَ قوماً وأغضب آخرين. ويلاحظ أن عدم تبني السلاطين للمذهب الظاهري – إلا قليل منه – ( ) جعل المذهب يتقدم بطيئة، ومن المعروف أن أي مذهب يحتاج لعلماء يقومون به ليستمر. ويحتاج للتدوين ليبقى ولا يضيع. ويحتاج كذلك إلى دعم من السلطان حتى ينتشر. والمذهب الظاهري قد تأمن له - في بعض الفترات العلماء - وتأمن له التدوين، لكن عدم تبنيه من أحد الحكام أوصله لنتيجة حتمية هي عدم الانتشار، وصار من الصعب اليوم اعتماد مذهب الظاهرية إلا تقليداً لابن حزم. فأين كتب الظاهرية المطبوعة التي ينصح بقراءتها عدا كتب ابن حزم كالفصل والملل والأهواء، والمحلى ( ) .
     والجدير بالذكر هنا – ونحن نتحدث عن منهج الظاهرية – أن غالب أسانيد ابن حزم ترجع إلى أربعة من كبار أئمة الحديث في الأندلس فهم: بقي بن مخلد، وقاسم بن أصبغ، وأحمد بن خالد، ومحمد بن أيمن. ولذلك نجد عنده من الآثار ما لا نجده عند أحدٍ غيره من المشرقيين، لأن كتب هؤلاء الكبار لم تصل للمشرق على أهميتها (وبخاصة ابن مخلد وابن أصبغ). وهي اليوم مفقودة. ونذكر فيما يلي أهم أعلام المذهب الظاهري:
1) الإمام داوود بن علي الأصفهاني المشهور بـ (داود الظاهري)، وهو كما سبق أنه أول من نادى باسم الظاهري و ذلك لانتشار المذهبية و الرأي في زمنه.
2) ابنه الإمام أبو بكر محمد بن داود الظاهري.
3) الإمام النحوي نفطويه.
4) الإمام ابن حزم الظاهري المكنى بأبي محمد و اسمه علي و يعرف أيضا باسم علي بن حزم الأندلسي.
5) الحافظ ابن طاهر القيسراني.
6) الإمام النحوي المفسر أبو حيان الأندلسي -صاحب تفسير البحر المحيط-.
وهناك من المعاصرين: أبو تراب الظاهري، أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، مقبل بن هادي الوادعي.
     وفيما سبق من الحديث عن نشأة الظاهرية يتضح أنه كان للظاهرية نشأتان، نشأة تأسيس على يد داود الظاهري، ونشأة تنظير وتطبيق على يد ابن حزم الظاهري.
منهج الظاهرية
     لم تكن ظاهرية ابن حزم في مجال الفتيا والتشريع فحسب، وإنما امتدت لتشمل الإلهيات عنده( ) . لذلك اعتمد المذهب الظاهري على القرآن والسنة، فوقفوا عند ظاهر نصوصهما، كما تدل عليه ألفاظ اللغة العربية، وفي ذلك يقول ابن حزم: "وحمل الكلام على ظاهره الذي وضع له في اللغة فرض، لا يجوز تعديله إلا بنص أو إجماع، لأن من فعل ذلك ، فقد أفسد الحقائق كلها، والشرائع كلها، والمعقول كله" ( ) . وفي موضع آخر أنه صرح ببطلان القياس قائلا: "هو عندنا عين الباطل"( ). وقال في كتابه (النبذ في أصول الفقه الظاهري) أنه لا يحل لأحد أن يفتي، أو يقضي، أو يعمل في الدين إلا بنص قرآني، أو حديث عن النبي  أو إجماع متيقن( ) . فهذه مصادر ثلاثة للنص الذي يعمل وفقه، ويشترط في هذا النص أن يؤخذ بظاهره، فلا يجوز لأحد أن يحيل آية عن ظاهرها، ولا خيرا عن ظاهره إلا بنص آخر صحيح مخبر أنه على غير ظاهره، أو باجماع لا شك فيه( ) ، أما إذا وقعت اللفظة في اللغة على معنيين فصاعدا وقوعا مستويا، فإنه لا يجوز أن يقتصر بها على أحدهما بلا نص ولا اجماع( ) .
      واضح من هذه النصوص أن المصادر الشرعية عندهم هي النصوص فقط، فلا علم في الإسلام إلا من النص الشرعي. ولذلك رفض الظاهرية القياس والاستحسان وما إلى ذلك. وكان ابن حزم شديد التمسك والتباهي بهذه الظاهرية، ويقول شعرا:
وذي عذل فيما سباني حسنه يطيل ملامي في الهوى ويقول
أمن حسن وجه لاح لم تر غيره ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل
فقلت له : أسرقت في اللوم فاتئذ فعندي رد لو أشاء طويل
ألم تر أني ظاهري وأنني على ما بدا حتى يقوم دليل ( ) .
     وقد وصف لنا ابن حيان طريق مناظرته بأنه يحمل هذا العلم ويجادل من خالفه على استرسال في طباعه وبذل بأسراره، ولم يكن يلطف صدعه بما عنده بتعريض، ولا يرقه بتدريج، بل يصك به من عارضه صك الجندل، وينشقه متعلقة انشقاق الخردل( ) .
     وفي الحقيقة أن الأخذ بظاهر الكتاب والسنة كان هو الفكرة التي سيطرت على دولة الموحدين من قبل يعقوب بن يوسف هذا، فقد كانت رأي أبيه وجده، ومنهاجهما الشخصي، بل منهاج من دعا إلى دولتهم، وهو محمد بن تومرت، ولكن يعقوب هذا أعلن ذلك القول ونادى به، وحمل الناس عليه بقوة السطان، وقد كان ابن حزم يقول: إن مذهبين انتشروا بقوة السلطان، مذهب مالك بالمغرب، ومذهب أبي حنيفة بالمشرق، ولو أنه عاش إلى أن رأى ما صنع يعقوب بن يوسف لوجد أن مذهبه لم ينشر فقط بنفوذ السلطان، بل يحمل عليه الناس قسرا، وإحرق كتبه ما عداه من المذاهب، أو بالأحرى الكتب المالكية، والدليل على ذلك أي أنه منهاج دولة الموحدين:
- أولهما: ما جاء في كتاب "المعجب" من أن أول رسالة كتبت كانت في الصلاة فقد ذكر أنها على نهج رسالة ابن تومرت في الطهارة، فابن تومرت كان أول من نادى بذلك، وهو داعية الموحدين، وقد انقضّ على المرابطين ليمهد الأمر لأولئك الموحدين، فإن هذا يدل على أن الاتجاه إلى الكتاب والسنة لاسخراج أحكام الفروع من نصوصهما فقد مبدأ عند الموحدين من وقت نشأتهم، لأنه طريقة الداعية لملكهم.
- ثانيهما: ما يحكيه صاحب "المعجب" عن أبي يعقوب، وهو يوسف بن عبد المؤمن، فإنه يقول: "إن الحافظ أبا بكر من الجدّ قال: "لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب أول دخلة دخلتها عليه وجدت بين يديه كتبا ابن يونس، فقال لي: يا أبا بكر أنا أنظر في هذه الآراء المتشعبة التي أحدثت في دين الله، أرأيت يا أبا بكر المسألة فيها أربعة أقوال، أو خمسة أقوال، أو أكثر هذا، فأي من هذه الأقوال هو الحق وأيها يجب أن يأخذ بها المقلد، فافتتحت أبين له ما أشكل عليه من ذلك، فقال لي وقطع كلامي: يا أبا بكر، ليس إلا هذا، وأشار إلى المصحف، أو هذا، وأشار إلى سنن أبي داود وكان عن يمينه، أو السيف". وترى من هذا أن ما أظهره يعقوب كان نية أبيه وجده، فلما تهيأت الفرص أعلن رأيهما ( ) .
     والسؤال المطروح بنفسه – استنادا إلى رفضه القياس( ) – ، هل ابن حزم يستخدم التأويل عند التعامل مع النصوص الشرعية ؟.
      يذهب الدكتور زكريا إبراهيم إلى أن ابن حزم اعتمد على منهجين في المناقشة والاستدلال:
- أولا: المبادئ العقلية المقررة في أوائل الحس وبداءة العقل.
- ثانيا: النصوص، فيرفض التأويل أو القياس أو التعليل، مؤكدا أن دين الله تعالى ظاهر لا باطن فيه، وجهر لا سر تحته، كله براهان لا مسامحة فيه، ولم يكن عند رسول الله  سر ولا رمز، ولا باطن غير ما دعا الناس كلهم إليه ( ) .
        والحقيقة، أن ابن حزم على الرغم من رفضه القياس، إلا أنه استعمل التأويل في كثير من القضايا والمسائل الأصولية، حيث يرى أن التأويل: "لا يخلو من أحد وجهين، لا ثالث لهما: إما تأويل يشهد بصحته القرآن، أو سنة صحيحة، أو إجماع، فيه نقول: إذا وجدناه، وإما تأويل دعوى لا يشهد بصحته، نص قرآني، ولا إجماع، فهذا الذي ننكره وندفعه، ونبرأ إلى الله تعالى منه" ( ) . ويتضح من هذا النص أن الظاهرية قسموا التأويل إلى نوعين :
- الأول: التأويل المستند إلى القرآن والسنة. وهذا النوع من التأويل جائز ومسموح به في الدين ( ) .
- والثاني: التأويل الذي لا سند له في القرآن والسنة. وهذا التأويل لا يجوز الاشتغال به لخطورته وضرره على الدين .
     وقال الحافظ ابن كثير وهو يحدثنا عن ابن حزم في تأويله للآيات والآحاديث المتعلقة بالصفات الإلهي : "كان ابن حزم كثير الوقيعة في العلماء بلسانه وقَلَمه، فأوْرثه ذلك حِقداً في قلوب أهل زمان . ومازالوا به حتى بَغّضَوه إلى ملوكهم ، فطردوه عن بلاده. والعجب –كل العجب– منه أنه كان ظاهرياً حائراً في الفروع، لا يقول بشيء من القياس لا الجلي ولا غيره. وهذا الذي وَضَعَهُ عند العلماء، وأدْخَلَ عليه خطأ كبيراً في نظره وتصرّفه. وكان – مع هذا – من أشد الناس تأويلاً في باب الأصول وآيات الصفات وأحاديث الصفات، لأنه كان أولاً قدْ تضلّع من علم المنطق، أخذه عن محمد بن الحسن المذحجي الكناني. ففسُد بذلك حاله في باب الصفات" ( ) .
      وهذا يدلنا على أن ابن حزم في الحقيقة يستخدم التأويل في المسائل الأصولية دون الفروعية كما يتضح فيما بعد من آراء الظاهرية في قضايا الاعتقاد. وقد استشار ابن كثير الإمام النووي في مؤلفات ابن حزم وهو في المنام، فقال : "ورأيتُ في ليلة الإثنين الثاني والعشرين من المحرم سنة ثلاث وستين وسبعمائة الشيخ محي الدين النووي رحمه الله فقلت له: يا سيدي الشيخ لِمَ لا أدْخلتَ في "شرحك المهذب" شيئاً من مصنفات ابن حزم ؟ فقال ما معناه: أنه لا يحبه. فقلت له: أنت معذور فيه فإنه جمع بين طرفيْ النقيضين في أصوله وفروعه. أما هو في الفروع فظاهريّ جامد يابس . وفي الأصول قول مائع قرمطة القرامطة وهَرَس الهرائسة . ورفعت بها صوتي حتى سمعت وأنا نائم. ثم أشَرْتُ له إلى أرض خضراء تشبه النخيل بل هي أرْدأ شكلاً منه، لا يُنتفع بها في اسْتغلالٍ ولا رعي. فقلت له: هذه أرض ابن حزم التي زرعها. قال: انظر، هل ترى فيها شجراً مثمراً أو شيئاً يُنتفع به ؟ فقلت: إنما تصلح للجلوس عليها في ضوء القمر. فهذا حاصل ما رأيته. ووقع في خلدي أن ابن حزم كان حاضرنا عندما أشرْت للشيخ محيي الدين إلى الأرض المنسوبة لابن حزم، وهو ساكتٌ لا يتكلم"( ) .
      وقد انتقد ابن حزم مناهج المتكلمين، حيث صرح بأن طرق الإستدلال التي يلجأ إليها علماء الكلام إنما هي طرق عقيمة، ما افترض الله تعالى قط على أحد، ويؤكد أن هجومه على المتكلمين وطرائقهم، وكراهيته لعلم الكلام، لم يصدر عن عداوة لعلم كان يجلهه، بل عن خبرة ودراسة مستفيضة ( ) . بل يرى ابن حزم أن المتكلمين أجسر الناس على أمور عظيمة تقشعر منها الجلود، وعلى اطلاق العظائم على الباري عز وجل بلا مبالاة، ويحكي عن أحد إخوانه أنه قال له: "أسألك بالله: هل بلغك أن أحدا أسلم على يدي متكلم من هؤلاء المتكلمين واهتدى على أيديهم من ضلالة ؟ وهل أسلم من أسلم، واهتدى من اهتدى إلا بالدعاء المجرد الذي مضى عليه السلف ؟ ... بل ما وجدتم أحدث الله تعالى على أيديهم إلا الفرقة والشتات والتخاذل وافتراق الكلمة ... ثم هم في خلال ذلك أبعد الناس عن المجيء ببرهان حق، وأكثرهم سفسطة وتخليطا واضطرابا وتناقضا" ( ) .
      والواقع، أن ابن حزم قد نسى نفسه بأنه متكلم بارع، بالإضافة إلى أنه وقع في خطأ حينما يزعم بأنه ليس بأحد أسلم على يدي متكلم ، ذلك أنه قد أسلم فعلا أناس كثيرة على يدي أبي الهذيل العلاف ما يزيد على ثلاثة آلاف رجل ( ) .
      ويشكو ابن حزم من طائفة من أهل زمانه ينتسبون إلى أهل الحديث – ولعله يقصد بهم طائفة من الحشوية –، لأنهم ابتدأوا الطلب لحديث النبي  فلم يزيدوا على طلب علوم السند والغرائب، دون أن يهتموا بشيء مما كتبوا، ولا يعلمون به، وإنما يحملون حملا، لا يزيدون على قراءته، دون تدبير معانيه، دون أن يعلموا أنهم المخاطبون به، وأنه لم يأت مهملا، ولا قاله الرسول  عبثا، بل أمرنا بالتفقه فيه، والعمل به. وأكثر هذه الطائفة لا عمل عندهم إلا بما جاء من طريق مقاتل بن سليمان والضحاك بن مزاحم، وتفسير الكلبي، وكتاب البزدوي، وهذه المصنفات إنما هي خرافات موضوعة، وأكاذيب ولدها الزنادقة ، تدليسا على الإسلام وأهله، فأطلقت هذه الطائفة كل اختلاط لا يصح، كقولهم: إن الأرض على حوت ، والحوت على قرن ثور، والثور على صخرة، والصخرة على عاتق ملك، والملك على ظلمة، والظلمة على ما لا يعلمه إلا الله ، وأمثال هذه الأقوال فضلا أنها خرافات، فإنها توجب الكفر. ونافرت هذه الطائفة كل برهان، ولم يكن أكثر قولهم إلا:"نهينا عن الجدال"، ويقول ابن حزم في تعجب: "فليت شعري من نهاهم عنه ، والله عز وجل يقول :  وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  – النحل : 124 –، فهذا نص القرآن المنزل، وقد نص الله أيضا على أصول الدلائل الواضحة البرهانية، ونبهنا عليها في كتابه العزيز، وعلى لسان نبيه الكريم، كما أمرتا بالتفكير في خلق السموات والأرض، ولا يصح الاعتبار في خلقهما، إلا بمعرفة هيآتهما، وانتقال الكواكب في أفلاكها، واختلاف حركاتها، فمن علم ذلك، وأشرف عليه، رأي عظيم القدرة، وأيقن أن ذلك كله بتدبير حكيم قادر خالق. وزعم قوم من هذه الطائفة أن الدين لا يثبت إلا بالدعوى والغلبة، وهذا خلاف قوله تعالى :  قُلْ هَاتُوْا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِيْنَ  – البقرة : 111 ، النمل : 64 –، وقد حاج ابن عباس الخوارج، وما علمنا أن أحدا من الصحابة نهى عن الاحتجاج، وزادت هذه الطائفة غلوا، فعابوا كتبا لا معرفة لهم بها، ولا طالعوها، كالكتب التي فيها هيئة الفلك ومجاري النجوم، والكتب التي جمعها أرسطوطاليس في حدود الكلام ومعانيه، وهذه كلها كتب دالة على توحيد الباري عز وجل وقدرته، وهي عظمية المنفعة في انتقاد جميع العلوم، ومعرفة كيفية الوصول في الاستنباط" ( ) .
       وفي موضع آخر أن ابن حزم يصرح أن المنطق هو الوسيلة: "إلى معرفة الأشياء على ما هي عليه، وإلى إمكان التفهم الذي به ترتقي درجة الفهم، ويتخلص من ظلمة الجهل، وفيها تكون معرفة الحق من الباطل" ( ) ، فإذن هذه الأدلة العقلية مهمة في تمحيص الحقائق وبطلان الزائف منها، ونحن نجد ابن حزم يكثر من استعمالها. فقد اعترض عليه يوماً من له علم بالفلسفة فقال له: "ليس للعقل ضد لكن وجوده ضد وهو عدمه. فقلت للّذي ذكر لي هذا القول أن هذه سفسطة وجهل، ولو جاز له هذا التخليط لجاز لغيره أن يقول ليس للعلم ضد لكن لوجوده ضد وهو عدمه. فيبطل التضاد من جميع الكيفيات، وهذا كلام يعلم فساده بضرورة العقل( )، فالبديهيات المنطقية عنده هي ما انتقلت عليه الحواس وبرهن عليه العقل، وبهذا نستطيع أن نثبت المثبت وننفي المنفي( ) .
      وفي في مجال الطبيعيات أن ابن حزم يذهب إلى القول بالعلل الأربع، أي الأصول والمبادئ التي قالت بها المدارس اليونانية القديمة من تراب، وماء، ونار، وهواء، ويرفض أن يطلق على الله لفظ (علة) ورد على الكندي في قوله بأن الله علة، ويقول عنه إنه نقض توحيده، وهدم بناءه، ويعلل رفضه بأن العلة فيها معنى الضرورة إلى معلولها، وفي المعلول معنى الضرورة إلى علته، وكل منهما مضاف إلى الآخر، مضطر إليه، متصل به، وأن هذه الصفات لا تتفق مع صفات الخالق الأول الذي كان قبل أن يبدع شيئا غنيا عن كل شيء، ويقول إن الله هو المبدع للعلل، وأنه هو الذي ابتدع جميع المعلولات لأجل تلك العلل التي سبقت منه، وأنه ليس شيء من المعلولات كائنا إلا موضوعة وضعا من الله تعالى أن يكون علة ومعلولا( ) .
     والواقع أن أبن حزم الأندلسى كان قد سبق الغزلى فى هذا الشأن بقرون وهو ما يضع علامات استفهام كثيرة حول منهج إسلامى يأبى القياس الأصولى دليلاً ويعتمد القياس المنطقى اليونانى.
      ويتضح مما سبق أن ابن حزم بالغ في القول بأن كتب أرسطوطاليس (المنطق والفلسفة) كتب دالة على توحيد الباري سبحانه وتعالى، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على دفاع ابن حزم عن العقل وبراهينه، ومن هنا فضل ابن تيمية مذهب الأشاعرة على مذهب الظاهرية ، فصرح – رحمه الله تعالى – بأنه: "من المعلوم الذي لا يمكن مدافعته، أن مذهب الأشعري وأصحابه في مسائل الصفات أقرب إلى مذهب أهل السنة والحديث من مذهب ابن حزم" ( ) . وقال في موضع آخر: "الأشعري ونحوه أعظم موافقة للإمام أحمد بن حنبل – ومن قَبله من الأئمة – في القرآن والصفات. وإن كان أبو محمد بن حزم في مسائل الإيمان والقدر أقوم من غيره، وأعلم بالحديث، وأكثر تعظيماً له ولأهله من غيره. لكن قد خالط من أقوال الفلاسفة والمعتزلة في مسائل الصفات، ما صرفه عن موافقة أهل الحديث في معاني مذهبهم في ذلك. فوافق (ابن حزم) هؤلاء (السلفيين) في اللفظ، وهؤلاء (الفلاسفة) في المعنى. وبمثل هذا صار يذمه من يذمه من الفقهاء والمتكلمين وعلماء الحديث، باتباعه لظاهرٍ لا باطن له، كما نفى المعاني في الأمر والنهي والاشتقاق، وكما نفى خرق العادات ونحوه من عبادات القلوب. مضموماً إلى ما في كلامه من الوقيعة في الأكابر، والإسراف في نفي المعاني، ودعوى متابعة الظواهر. وإن كان له من الإيمان والدين والعلوم الواسعة الكثيرة، ما لا يدفعه إلا مُكابر. ويوجد في كتبه من كثرة الاطلاع على الأقوال، والمعرفة بالأحوال، والتعظيم لدعائم الإسلام ولجانب الرسالة، ما لا يجتمع مثله لغيره. فالمسألة التي يكون فيها حديث ، يكون جانبه فيها ظاهر الترجيح. وله من التمييز بين الصحيح والضعيف والمعرفة بأقوال السلف، ما لا يكاد يقع مثله لغيره من الفقهاء" ( ).
إذن، فالمسألتان الوحيدتان التي كاد ابن حزم يوافق بهما السلف الصالح، هما مسألة الإيمان ومسألة القدر.
       وعلى أية حال ، فابن حزم - بخلاف حاله في غالب الفروع -:
- كان في أصول الدين مختلف الأحوال مضطرب، ولم يكن له منهج ثابت واضح كما هو حاله في الفروع وسبب هذا كما ذكر العلماء دخول شبهات المتفلسفة المتمنطقة عليه، وبسببها تخلى عن ظاهريته المعروفة وسلك مسلك التأويل أو التفويض وتناقض، فيؤول بعض الآيات القرآنية والسنة النبويـة فيما يتعلق بالأصول الدينية.
- وأما في الفروع فأبرز منهجه التمسك بظواهر آيات القرآن الكريمة والسنة النبوية وتقديمهما على مراعاة المعاني والحكم والمصالح التي يظن لأجلها أنها شرعت. ولا يعمل بالقياس عندهم ما لم تكن العلة منصوصة في المحل الأول (المقيس عليه) ومقطوعاً بوجودها في المحل الثاني (المقيس) بحيث ينزل الحكم منزلة (تحقيق المناط).
- كما يحرم العمل بالاستحسان، ويستدل بالإجماع الواقع في عصر الصحابة فقط؛ ولا يعمل بالمرسل والمنقطع خلافاً للمالكية والحنفية والحنابلة، ولا يعمل بشرع من قبلنا، ولا يحل لأحد العمل بالرأي لقوله تعالى : مَا فَرَّطْناَ فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ – الأنعام :38- وتعدية الحكم المنصوص عليه إلى غيره تعد لحدود الله تعالى، ولا يحل لأحد القول بالمفهوم المخالف. والتقليد حرام على العامي كما هو حرام على العالم وعلى كل مكلف جهده الذي يقدر عليه من الاجتهاد .
       ولم يمت مذهب الظاهري بموت ابن حزم، بل إنه نشر من بعده، نشره تلاميذه الذين تلقوا عليه، ونشروه بنشر كتبه، فهو وإن لم يكن له أتباع من بعد في الأقاليم الإسلامية، كان علمه منشورا بين العلماء يقيسون منه ويأخذون عنه، وخير شاهد على ذلك كتابه المشهور في العقيدة ومقارنة الأديان "الفصل في الملل والأهواء والملل"، وكان أول من نشر علمه ببلاد المشرق تلميذه الحميدي وهو من كبار تلامذة ابن حزم، الذي جمع الصحيحين، فإنه هرب من الأندلس بعد وفاة ابن حزم، وكان في هروبه نشر المذهب في المشرق بالكتب المدونة التي سجلته، ومات في سابع عشر ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ( ) .
__________________________________________________
مصادر البحث:
( ) تاج الدين السبكي ، جمع الجوامع في أصول الفقه ، 2/ 441 . ولمزيد من الترجمة انظر مؤلفات الإمام الذهبي ، سير أعلام النبلاء : 1/3 97. وتذكرة الحفاظ : 2/ 572. و العبر في خـبر من غبر ، 1/ 389 . وميزان الاعتدال ، 1/ 321 . والمغني في الضعفاء : 1/ 320 . وراجع : الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد ، 8/369 . ابن النديم، الفهرست ، ص 271 . ابن شهبة ، طبقات الشافعية، 1/ 77 . الصفدي ، الوافي بالوفيات : 13/ 296 . ابن تغري بردي ، النجوم الزاهرة : 3/ 47 . ابن العماد ، شذرات الذهب : 2/ 158 . ابن كثير ، البداية والنهاية ، 11/ 47 . ابن كثير، طبقات الفقهاء الشافعية ، 1/ 172 . العبـادي ، طبقات الفقهاء ، ص 58 الداودي ، طبقات المفسرين ، 1/ 166 - 169.
( ) وهو: نوفمبر ـ تشرين الثاني ـ سنة 994 من تأريخ النصارى .
( ) انظر : صاعد الأندلوسي ، طبقات الأمم ، ص 86 . ابن بشكوال ، الصلة ، 2/427 .
( ) انظر : ابن بشكوال ، كتاب الصلة ، 2/396 . المقري ، نفح الطيب ، 2/284 . ياقوت الحموي ، معجم البلدان ، 12/237 .
( ) محمد أبو زهرة ، ابن حزم ، 22 .
( ) انظر : ابن سعيد ، المغرب في حل المغرب ، 1/355 . سانتشث البرنس ، ابن حزم قمة أسبانية ، ص 143 ، ترجمة : د . الطاهر مكي . د. طه الجابري ، ابن حزم صورة أندلسية ، ص 14 .
( ) انظر : د. إحسان عباس ، تاريخ الأدب الأندلسي ، ص 304 .
( ) ابن حزم ، التقريب لحد المنطق ، ص 3 – 4 .
( ) دائرة المعارف الإسلامية ، 15/409 ، دار المعرفة ، بيروت . ومما يدل على أن الظاهرية ليس مذهبا كلاميا ، أن ابن حزم قسم الفرق إلى : (( أهل السنة والمعتزلة والمرجئة والشيعة والخوارج)) ، ثم يبين بعرض سريع للمسائل الكلامية التي جعلت كُلاً من هذه الفرق تتشعب وتتفرق إلى فرق عديدة فمعظم اختلاف أهل السنة – وهي الفرقة الرئيسية الناجية عنده – كان في الفُتيا وشيء يسير من الاعتقادات ، أما الفرق الباقية ، فإنه يُقَوِّمها على أساس قربها من أهل السنة ، ويفصل في الأمر على النحو الآتي . وعلى هذا الأساس يذهب ابن حزم الظاهري إلى القول بضعف حديث الافتراق، ولذلك لا يعتمد عليه في نظرته للفرق الإسلامية ، وإنما تأخذ هذه الفرق مفهومها من خلال مقالاتها ومعتقداتها . انظر : الفصل في الملل والأهواء والنحل ، 2/256 ، 2/65 .
( ) القياس في اللغة: هو التقدير والمساواة، ومن ناحية الاصطلاح اختلف الأصوليون فيه: فالشافعي يسوي بينه وبين الاجتهاد ويعتبرهما اسمان لمعنى واحد. الرسالة، ص 477، مطبعة الحلبي، القاهرة، 1940م. ويعرفه الباقلاني بأنه: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما. وامتدح الآمدي هذا الحد ورأى أن ذكر (المعلوم) في الحد بدلا من (الأصل) و (الفرع) يدخل فيه الموجود والمعدوم، وأن حمل الفرع على الأصل معناه التشريك في الحكم، وأن هذا الحكم قد يكون نفيا، وقد يكون إثباتا، وأن حمل الفرع على الأصل لا يتم إلا بجامع، وأن الجامع قد يكون حكما وقد يكون صفة، ومع هذا تعرضالحد لتشكيكات كثيرة دفع الآمدي ببطلانها. الاحكام في أصول الأحكام، 3/266، مطبعة المعارف، القاهرة، 1914م. وعرفه أبو الحسين البصري بتعريفين الأول بأنه: تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في علة الحكم عند المجتهد. والثاني بأنه: تحصيل الحكم في الشيء باعتبار تعليل غيره. المعتمد في أصول الفقه. 2/699.
       إذن، فإن القياس إنما هو ردُّ الفرع إلى أصله بعلة جامعة بين الأصل والفرع. ولم ينسب نفي القياس إلا إلى الظاهرية وإلى الشيعة الإمامية وإلى بعض المعتزلة.
( ) الاستحسان فى اللغة: مصدر استحسن الشىء عده حسنا جاء فى الأحكام للأمدى: " هو فى اللغة مشتق من الحسن" ومثله فى كشف الأسرار. انظر: الأحكام للأمدى،4/211. كشف الأسرار للبزدوى، 4/1124. .
      ويقول الأمدي إنه قد اختلف أصحاب أبى حنيفة فى تعريفه فمنهم من قال: أنه عبارة عن دليل ينقدح فى نفس المجتهد لا يقدر على إظهاره لعدم مساعدة العبارة عنه.. ومنهم من قال: أنه عبارة عن العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه ... ثم قال: ونقل عن أبى الحسن البصرى تعريفه بأنه ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لوجه هو أقوى منه وهو فى حكم الطارىء وعلق الآمدى على هذا التعريف بأنه قصد بقوله غير شامل شمول الألفاظ الاحتراز عن العدول عن العموم إلى القياس لكونه لفظا شاملا وعلق على قوله وهو فى حكم الطارىء بأنه احتراز عن قولهم: تركنا الاستحسان بالقياس فإنه ليس استحسانا من حيث أن القياس الذى ترك له الاستحسان ليس فى حكم الطارىء بل هو الأمل. وعرفه صدر الشريعة فى التنقيح بأنه دليل يقابل القياس الجلى الذى تسبق إليه الأفها. وفى التحرير للكمال والتيسير عليه لباد شاه: أن الاستحسان القياس الخفى بالنسبة إلى قياس ظاهر متبادر ويقال لما هو أعم من ذلك وهو كل دليل واقع فى مقابلة القياس الظـاهر بنص كالسلم. راجع: الأحكام للأمدى، 3/20. 4/78. 4/211، 212.
       وقال الشاطبى: الاستحسان فى مذهب مالك.الأخذ بمصلحة جزئية فى مقابلة دليل كلى ثم نقل عن ابن العربى أنه إيثار ترك مقتضى الدليل على طريق الاستثناء والترخص لمعارضة ما يعارض به فى بعض مقتضياته. وأنه قالا فى أحكام القرآن: إن الاستحسان عندنا وعند الحنفية هو العمل بأقوى الدليلين. الموافقات للشاطبى، 4/116. وقد نقل الشوكانى: هذا التعريف عن الباجى ونسبه إلى أصحاب مالك فقط. الشوكانى، ص224. والسالمى الإباضى فى طلعة الشمس: يدور مع صاحب جمع الجوامع فى فلكه حول ما أورده من تعريفات. طلعة الشمس 1/185.
        ومن أمثلة الاستحسان: إجازة الاقتراض لبعض أنواع السلع الوزنية وإعادة منها عددا بصرف النظر عن التفاوت في الوزن، مع ان مثل هذا التفاوت يعتبر في الأصل من قبيل الربا غير الجائز شرعاً. الوصية، فإن مقتضى القياسى عدم جوازها لأنها تمليك مضاف لما بعد الموت، وهو زمن تزول فيه الملكية، إلا أنها استثنيت من تلك القاعدة العامة بقوله تعالى: من بعد وصية يوصى بها أودين . مثل إجماع العلماء على جواز عقد الاستصناع وهو أن يعقد شخص مع آخرعقدا لصنع شىء من الثياب أو الحذاء بثمن معين، فإن مقتضى القياس بطلانه ، لأن المعقود عليه - وهو العمل - وقت القصر معدوم ، ولكن أجيز العمل به لتعامل الناس به كل الأزمان من غير إنكار العلماء عليه.
        والاستحسان نُسب العمل به إلى أبي حنيفة والإمام أحمد رضي الله عنهما، وذلك بناءً على ما في مذهبيهما من الفروع. قال محمد بن الحسن: "كان أبو حينفة رحمه الله يناظر أصحابه في المقاييس، فينتصفون منه ويعارضونه، حتى إذا قال (أستحسن) لم يلحقه أحد منهم لكثرة ما يورد في الاستحسان من المسائل، فيدعون جميعا ويسلمون له". وقال سهم بن مزاحم: "كان-أبو حينفة- يمضي الأمور على القياس، فإذا قيح القياس يمضيه على الاستحسان". انظر: موفق، مناقب الإمام الأعظم، 1/82، 90.
قد رده الشافعي في كتاب إبطال الاستحسان. ورده الآمدي في الإحكام، والغزالي في المستصفى. واشتهر عن الشافعي قوله: "من استحسن فقد شرع" وقد عُدّ الاستحسان عند من ردوه قولاً بالتشهّي والهوى. والأقوال في تعريفه مختلفة، وتجعل معانيه مختلفة.
       وقد أبطل الإمام الشافعى الاستحسان وعقد فصلا خاصا تحت عنوان: (كتاب إبطال الاستحسان) قائلا: إذا قال الحاكم والمفتى فى النازلة ليس فيها خبر ولا قياس استحسن فلابد أن يزعم أن جائزا لغيره أن يستحسن خلافه فيقول كل حاكم فى بلد ومفت بما يستحسن. فيقال فى الشىء الواحد بضروب من الحكم والفتيا فإذا كان هذا جائزا عندهم فقد أهملوا أنفسهم فحكموا حيث شاءوا وإن كان ضيقا فلا يجوز أن يدخلوا فيه وإن قال الذى يرى منهم ترك السايس: بل على الناس اتباع ما قلت: قيل له من أمر بطاعتك حتى يكون على الناس اتباعك أرأيت إن ادعى عليك غيرك فذا أتطيعه أم تقول: لا أطيع إلا من أمرت بطاعته ؟ فكذلك لا طاعة لك على أحد. وجاء فى الرسالة للشافعى: أن حراما على أحد أن يقول بالاستحسان إذا خالف الاستحسان الخبر، وفى مقام آخر يقول إن حلال الله وحرامه أولى ألا يقال فيه بالتعسف ولا الاستحسان أبدا إنما الاستحسان تلذذ و" لا يقول فيه إلا عالم بالأخبار عاقل بالتشبيه عليها. انظر: الأم، 7/373. مقدمة الجزء الأول من الام، ص 69-70.
       فالشافعي يقصر مجال الاجتهاد على القياس دون الإستحسان، ووجهة نظره في هذا أن القياس يتوجه القائس فيه إلى دلائل قد نصبها الله ليقاس عليها، وهذه الدلائل المنصوبة نفتقدها في الاستحسان الذي لا يتبع فيه المستحسن دلالات ظاهرة، إنما يتبع خطرات وهمة بلا دلالة منصوبة على حد تعبير الشافعي. الأم، 7/272-272. وانظر: د. محمد بلتاجي،2004م، مناهج التشريع الإسلامي في القرن الثاني الهجري، ص 549-550، القاهرة، دار السلام.
       وعلى أية حال فإن فكرة الاستحسان إنما هي قسيم لفكرة القياس، ولأجل ذلك قال علماء الأصول: إن الاستحسان إنما هو اسم لدليل يقابل القياس الجلي، يعمل به عند تعذر العمل بالقياس. وأما حجيته فهو حجة شرعية عند: الحنفية والمالكية والحنابلة، وأنكر حجيته الشافعية والظاهرية والمعتزلة والشيعة فليس عندهم بدليل يعتد به. ويلاح الدكتور محمد بلتاجي أن الاستحسان الذي يرفضه الشافعي ويهاجمه في عنف إنما هو الحكم بمجرد ما تهواه النفس ويخطر على الوهم بلا مثال أو مقيس، ودلالة خارجية – غير ما يجوس في النفس – يرجع إليها. د. محمد بلتاجي،2004م، مناهج التشريع الإسلامي في القرن الثاني الهجري، ص 550.
( ) سد الذرائع في اللغة: الذرائع جمع ذريعة، وهي الوسيلة، والسبب إلى الشيء، وأصلها لغة من ذرع. ويقال : سد الطرق حتى لا تؤدي إلى نتائجها وآثارها، بصرف النظر في كون هذه الآثار محمودة أن مذمومة. انظر: المصباح المنير، 1/208. مختار الصحاح،1/ 226 مادة (ذرع). سد الذرائع للبرهاني ص25وما بعدها.
       وتعريف "الذرائع" اصطلاحاً: يقول ا بن تيميه: "الذريعة هي الوسيلة، لكنها أصبحت في عرق الفقهاء عبارة عما أفضى إلى فعل محرم". الفتاوى الكبرى، 6/174. وعرفها الشاطبي بقوله: "حقيقتها التوسل بما هو مصلحة الى مفسدة". الموافقات، 4/199. وهو بهذا يذهب مذهب التفريق الاصطلاحي بين الوسائل والذرائع، فالوسائل مؤداها المصالح بينما الذرائع مؤداها المفاسد، وهذا ما ذهب اليه ابن القيم في بيانه لمكانة سد الذرائع من الدين حيث قال: "وباب الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أامر ونهي، والأمر نوعان: أحدهما مقصود لنفسه، والثاني وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: احدهما ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني ما يكون وسيلة الى المفسدة، فصار سد الذرائع المفضية الى الحرام أحد أرباع الدين". إعلام الموقعين، 3/130.
        وأما معناها العام فهي: "الوسيلة التي تكون طريقاً إلى الشَّيء". إعلام الموقعين، 3/117. سواء أكان هذا الشيء قولاً أو فعلاً بصرف النَّظر عن كونه مفسدة أو مصلحة. والذَّرائع عند المازريّ هي: "منع ما يجوز لئلا يتطرّق إلى ما لا يجوز". مقاصد الشَّريعة: للفاسيّ، ص 154. والمراد بـ "سدّ لذَّرائع": "منع الوسائل المؤدية إلى المفاسد، فما يؤدي إلى محظور فهو محظور".
      وعلى هذا فالذريعة بالمعنى الاصطلاحي هي : أحد أفراد الذريعة بالمعنى اللغوي، يؤكد ذلك ما قاله القرافي رحمة الله: "أعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، وتكره، تندب، وتباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة، فوسيلة الواجب واجبة، كالسعي للجمعة والحج، وموارد الأحكام على قسمين: مقاصد، وهي المتضمنة المصالح والمفاسد في أنفسها، ووسائل، وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم، وتحليل، غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها، والوسائل إلى أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطة. انظر: الفروق، 2/33. إعلام الموقعين، 3/147.
      فالزِّنا حرام، والنَّظر إلى عورة المرأة وسيلة إلى الزِّنا، فكلاهما حرام، وقضاء القاضي بعلمه ممنوع، لئلا يكون ذريعة إلى حكمه بالباطل، ويقول: حكمت بعلمي، وشهادة العدو على عدوه لا تصح لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى بلوغ غرضه من عدوه بالشّهادة الباطلة، والجمع بين السَّلف والبيع ممنوع، لئلا يكون اقترانهما ذريعة إلى الرِّبا. ويروي ابن رشد في المريض الذي يطلق زوجته بائنا ويموت من مرضه أن جمعا كبيرا من الفقهاء قالوا إن زوجته ترثه عملا بسد الذرائع، وقال بعض الفقهاء: إنها لا ترث. يقول ابن رشد: "وسبب الخلاف اختلافهم في وجوب العمل بسد الذرائع، وذلك أنه لما كان المريض يتهم في أن يكون إنما طلق زوجته في مرضه ليقطع حظها من الميراث، فمن قال بسد الذرائع أوجب ميراثها، ومن لم يقل بسد الذرائع ولحظ وجوب الطلاق لم يوجب لها ميراثا، وذلك أن هذه الطائفة تقول: إن كان الطلاق قد وقع فيجب أن يقع بجميع أحكامه" . ثم يقول ابن رشد: إن القائلين بالرأي الأول استأنسوا له بأنه: "فتوى عثمان وعمر حتى زعمت المالكية أنه إجماع الصحابة. ولا معنى لقولهم فإن الخلاف فيه عن ابن الزبير مشهور". بداية المجتهد، 2/68.
       ففي مجال العقيدة نهى الله عز وجل عن الذرائع التي تفضي إلى الشرك والكفر أو البدعة، من ذلك قوله تعالى (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ)(الأنعام:108) فقد حرم سب الأصنام إذا كان سبها يفضي إلى سب الله عز وجل. وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا) (البقرة:104) فنهى عن قول ( رَاعِنَا ) لمّا كان اليهود يقولون هذه الكلمة للرسول صلى الله عليه وسلم ويقصدون بها الرعونة، وأمر بقول: (انْظُرْنَا) بدلاً عن: ( رَاعِنَا ) سداً للذريعة. و مشهور عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما رأى قوماً يختلفون إلى الشجرة التي وقعت تحتها بيعة الرضوان في الحديبية أمر بقطعها سداً لذريعة الشرك. وقال: إنما أهلك من كان قبلكم تتبعهم لآثار أنبيائهم. ولما فتح المسلمون بلاد تَسْتُر في المشرق وجدوا سريراً عليه ميت يزعمون أنه دانيال النبي وكانوا يتبركون به ويستسقون به المطر. فأمر الخليفة رضي الله عنه بأن يحفر ثلاثة عشر قبراً في المقبرة ويدفن ليلاً في واحدٍ منها حتى يخفى على الناس مكان قبره ليسد عليهم وسيلة الشرك بالتعلق بهذا القبر والتبرك به.
( ) المصالح المرسلة في اللعة: المصالح: جمع مصلحة، وهي المنفعة، والمصلحة كالمنفعة وزنا ومعنى، فالمراد بها لغة: جلب المنفعة، ودفع المضرة، والمرسلة: أى المطلقة. المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية 1/ 520 لسان العرب لابن منظور 4/2479، دار المعارف.
        واصطلاحا: عبارة عن المصلحة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده من حفظ دينهم ، ونفوسهم ، وعقولهم، ونسلهم،وأموالهم طبق ترتيب معين فيما بينها. المحصول في علم الأصول لفخر الرازى، 2/ 220. فهذا التعريف صرح بأن المصلحة: هي جلب منفعة مقصودة للشارع الحكيم ،وإن كان لم يصرح بأن دفعا لضرر من المصلحة أيضا، إلا أن تعريفه ينوه به ويلزم منهالاجتهاد فيما لا نص فيه. د. الطيب خضرى السيد 2/ 53 مكتبة الحرمين بالرياض 1983م. وقد عرفها الآمدى فقال: هي مصلحة لم يشهد الشرع لها باعتبار ولا إلغاء. الإحكام في أصول الأحكام للآمدى 3/ 290 مؤسسة الحلبى 1967م. ولذلك سميت مرسلة.
      وحجيته: ذهب الجمهور إلى أن المصلحة المرسلة حجة شرعية يبنى عليها تشريع الأحكام، وأن الواقعة التي لا حكم فيها بنص أو إجماع أو قياس أو استحسان، يشرع فيا الحكم الذي تقتضيه المصلحة المطلقة ولا يتوقف تشريع الحكم بناء على هذه المصلحة على وجود شاهد من الشرع باعتبارها. فأثبت بها الأحكام : مالك وأحمد ، ورفض الأخذ بها الشافعي والظاهرية.
( ) الاستصحاب في الغة: طلب المصاحبة، يقال: استصحب الشىء: لازمه ، ويقال استصحبه الشىء: ساله أن يجعله في صحبته. لسان العرب لابن منظور 4 /2401 دار المعارف ، المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية 1 /507 طبعة دار المعارف 1972م ط ثانية. واصطلاحا: بقاء الحكم المبني على النص، حتى يوجد دليل من النصوص يغيره. انظر: البحر المحيط لبدر الشركشى، 6/17 وما بعدها، طبعة وزارة الأوقاف بالكويت طبعة أولى 1990م. وقال الدكتور وهبة الزحيلي: هو الحكم بثبوت أمر أو نفيه في الزمان الحاضر أو المستقبل بناء على ثبوته أو عدمه في الزمان الماضى، لعدم قيام الدليل على تغييره. أصول الفقه الإسلامى للدكتور وهبه الزحيلى 2 /859 دار الفكر ط أولى 1986م. والواضح من تعريف الاستصحاب –وهو ثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على ثبوته في الزمان الأول- أنه منهج في الفهم والاستدلال وليس دليلاً، وهو يقتضيه العقل والنظر السليم. أو نقول أن الاستصحاب هو استصحاب البراءة الأصلية في ثبوت الأحكام ونفيها.
       ومن أمثلته الاستصحاب: ويروي الكردري أن رجلا جاء إلى أبي حنيفة وقال له: "لا أدري أطلقت امرأتي أم لا، فقال أبو حنيفة: لا عليك حتى تتيقن الطلاق". المبسوط، 1/86. وفي المدونة ما نصه: "وقال مالك: ولا يقسم ميراث المفقود حتى يأتي خبر موته، أو يبلغ من الزمان ما لا يحيا مثله، فيقسم ميراثه من يوم يموت وذلك اليوم". المدونة الكبرى، 5/134. ويروي ابن قدامة أن ابن أبي ليلى كان يقول: "إنه لا زكاة في العسل، وكان استدلاله على ذلك أنه ليس في وجوب زكاة العسل خبر ثابت". المغني، 2/713-714.
        اختلفت مذاهب العلماء في حجية الاستصحاب بين قائل بحجيته مطلقا ، وبين من لا يرى فيه حجة أصلا، وفريق ثالث وقف موقفا وسطا بين الفريقين .وأكثر المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية على القول الأول - أي بحجيته - سواء في إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه ، وهو معتمد الناظر إذا لم يجد في الواقعة دليلا منفردا بها .وللاستصحاب مداره العقلي والشرعي في حالة الإثبات، أما النفي فلا مدار له إلا في جانب العقل كما ذكر الزركشي في البحر ، لأن العقل لا قدرة له على إثبات حكم وجودي .
( ) ابن تيمية ، الفتاوى الكبرى ، 1/327 . وله مجموع الفتاوى ، 21/207 .
( ) أبو عبد الرحمن الظاهري ، تحـرير بعض المسائل على مذهب الأصحاب ، ص 15 وما بعدها ، مكتبة دار العلوم ، الرياض ، 1401هـ.
( ) يقول الإمام الشوكاني عن مكانة المذهب الظاهري بأنه : " أول الفكر آخر العمل عند مَن رُزِق الإنصاف ، وكانت عنده فِطنة لم يَرِدْ عليها ما يغيّرها عن أصلها . وليس هو مذهب داود الظاهري وأتباعه فقط ، بل هو مذهب أكابر المتقيدين بنصوص الشرع ، من عصر الصحابة إلى الآن ، وداود واحد منهم ... ثم ، قال : وأنت إذا أمعنتَ النظر في مقالات أكابر المجتهدين المشتغلين بالأدلة ، وجدتَها من مذهب الظاهر بعينه . بل ، إذا رُزِقت الإنصافَ ، وعرفتَ العلوم الاجتهادية كما ينبغي ، ونظرت في علوم الكتاب والسنـة حقّ النظر، كنتَ ظاهريا ، أي : عاملاً بظاهر الكتاب والسنـة ، منسوباً إليه لا إلى داود الظاهري ، فإن نِسْبَتَك إليه ، ونسبته إلى الظاهر متفقة ، وهذه النسبة مساوية للنسبة إلى الإيمان والإسلام ، وإلى خـاتم الرسل عليه أفضـل الصلاة والسلام . الشوكاني ، البدر الطالع 2/290 .
( ) ابن حزم ، الديوان الأكبر ، ص 47 .
( ) انظر: د. عبد الكريم خليفة، ابن حزم الأندلسي، ص 135.
( ) وقد ثبت وجود دولة خلفاؤها ظاهريون وقضاؤها ظاهريا، فقد كان لهذا المذهب دولة في الأندلس زمن الموحدين استمرت مائة واثنتان وخمسون سنة من عام 515 إلى عام 668وكان الخليفة ظاهريا ، والقضاة يقضون على هذا المنهج ، ثم كان لها ظهور في تونس على أيدي الحفصيين من عام 625 إلى عام 941 ، ثم عاود المذهب المالكي ظهوره على أنقاض المنهج الظاهر . انظر : المدرسة الظاهرية بالمغرب والأندلس ، د. توفيق بن أحمد الغلبزوري الادريسي ، ص617 ومابعدها ، دار ابن حزم ، الرياض ، الطبعة الاولى 1427هـ .
( ) انظر : المدخل للفقه الإسلامي ، الدكتور حسن محمد سقر .
( ) انظر : ديلاسي أوليري ، الفكر العربي ومكانه في التاريخ ، ص 240 ، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر ، القاهرة ، ترجمة : د. تمام حسن .
( ) نوادر الإمام ابن حزم ، 2/139 .
( ) ابن حزم ، رسالة سئل فيها سؤال تعنيف ، 3/102 ، ضمن رسائل له ، وقام بتحقيقها :د. إحسان عباس .
( ) ابن حزم، 1940، النبذ في أصول الفقه الظاهري، ص 7. تحقيق: محمد زاهد الكوثري، القاهرة، مطبعة الأنوار.
( ) المصدر السابق، ص 24.
( ) المصدر السابق، ص 25.
( ) انظر : الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، 1/46 . ابن خلكان ، فيات الأعيان ، 3/328 .
( ) ياقوت، معجم الأدباء، 12/248.
( ) د. فاروق عبد المعطي، 1992م، ابن حزم الظاهري، ص 164 – 165، بيروت، دار الكتب العلمية.
( ) والرسالة التي تنسب إلى عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري، والتي يقول فيها: "قس الأمور واعرف الأشباه والأمثال، ثم أعمد إلى أولاها بالحق، وأحبها إلى الله فاقض به". فإن ابن حزم ينكر صحتها ويطعن في رواتها، ويستبعد أن تصدر تلك الرسالة عن عمر ويقول: "هذه رسالة لا تصح، تفرد بها عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه، وكلاهما متروك، ومن طريق عبد الله بن أبي سعيد وهو مجهول، ومثلها بعيد عن عمر". إبطال القياس، ص 6.
       والجدير بالذكر أنه لما كانت العلة هي الأساس في القياس فإن ابن حزم تناولها بالتجريح، حيث إنه يستعرض تاريخ التعليل والقول به عند الفقهاء في كتابه (الأحكام في أصول الأحكام) فيقول: "فباليقين ضرورة نعلم أنه لم يقل قط بها أحد من الصحابة بوجه من الوجوه، ولا أحد من التابعين، ولا أحد من تابعي التابعين، وإنما هو أمر حدث في أصحاب الشافعي، والتبعهم عليه أصحاب أبي حنيفة، ثم تلاهم فيه أصحاب مالك، وهذا أمر متيقن عندنا وعندهم". الأحكام في أصول الأحكام، 7/177.
       ومع هذا يستعرض ابن حزم في كتابه (ابطال القياس) نصوصا من الكتاب والسنة نص فيها على أنه حكم بأشياء من أجل أشياء كقوله تعالى: ولكم في القصاص حياة، فجعل الحياة وبقاءها علة للقصاص، وكقول النبي  في الرطب: "أينقص إذا يبس؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذا". وكقول النبي : "إنما الاستئذان من أجل البصر". ويقول عن تلك العلل المنصوصة: "لم ننكر ما نص الله ورسوله، بل ننكر ما أخرجتموه بعقولكم، وادعيتموه بلا برهان ولا نص، وذلك اخبار عن الله بما لم يخبر، وتقويل لرسوله بما لم يقل". ملخص ابطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد والتعلي، ص 45، طبع بدمشق، 1960م، تحقيق: سعيد الافغاني.
       وفي هذا يفرق ابن حزم بين علتين: علة منصوصة، وعلة غير مستنبطة، فلا ينكر الأولى، لاتفاقها مع مذهبه، وينكر الثانية، لأنها مستنبطة بالعقل. إذن، فمن الممكن القول إنه لا ينكر العلة المنصوصة، وأن الحكم موقوف عليها، وإنما ينكر الانتقال بالحكم إلى علة مماثلة مستنبطة. لمزيد من التفصيل راجع: محمد سليمان داود، 1984م، نظرية القياس الأصولي -منهج تجريبي إسلامي-، ص 242 وما بعدها، الاسكندرية، دار الدعوة.
( ) د. زكريا إبراهيم، ابن حزم الأندلسي، ص 156.
( ) ابن حزم ، رسالة سئل فيها سؤال تعنيف ، 3/80 .
( ) والحقيقة أن التأويل العقلي لبعض نصوص معينة من الآيات المتشابهات والسنة النبوية ، قضية أقرّها بعض المذاهب الكلامية عامة وبخاصة المعتزلة والمتكلمون من الأشاعرة ، وأما السلف فقد جنح بعضهم إلى التأويل ، حيث فسروا معنى " المعية " في الآيتين من قوله  :  أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا  - المجادلة : 7 - . وقوله  :  هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  - الحديد : 4 - . بأنها معية العلم لا معيـة الذات ، لأن الله  افتتح الآيتين بالعلم بهم وختمها به ، فدل على أنه أراد العلم بهم وبأعمـالهم ، لا أنه نفسه في كل مكان معهم . انظر : الآجري ، الشريعة ، ص 288 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، بدون تاريخ ، تحقيق : محمد حامد الفقي . مجموع فتاوى ابن تيمية ، 5/103 ، 495 ، 496 .
( ) ابن كثير ، البداية والنهاية ، 12\13 .
( ) ابن كثير ، البداية والنهاية ، 14\332 .
( ) ابن حزم ، رسالة البيان عن حقيقة الإيمان ، ، 3/191 .
( ) المصدر السابق ، 3/200 – 201 .
( ) د. أحمد صبحي ، في علم الكلام ، ص 202 .
( ) ابن حزم ، الأصول والفروع ، 1/217 – 220 . وله الفصل في الملل والأهواء والنحل ، 2/91 – 97 .
( ) ابن حزم، الأحكام، 1/6.
( ) الفصل في الملل والأهواء والنحل، 5/199.
( ) أبوزهرة، ابن حزم، ص 153.
( ) ابن حزم، 1960م، رسالة الرد على الكندي الفيلسوف، ص 198 – 2002، ضمن رسائل ابن حزم طبع بالقاهرة، تحقيق: إحسان عباس.
( ) ابن تيمية ، درء تعارض العقل والنقل ، 5/250.
( ) ابن تيمية ، مجموع الفتاوى ، 4/19 .
ولمزيد من التفصيل عن آراء ابن حزم في المنطق، راجع كتاب: "ابن حزم و موقفه من الفلسفة و المنطق و الأخلاق"، وديع واصف مصطفى، المجمع الثقافي، الامارات العربية المتحدة.
( ) انظر: العبر، 3/289.

Saturday, November 3, 2012

SEMINAR & BEDAH JURNAL ISLAMIA VOL. VII

SEMINAR & BEDAH JURNAL ISLAMIA VOL. VII
PEMBEBASAN NUSANTARA 
"ANTARA ISLAMISASI DAN KOLONIALISASI"
Gedung Fakultas Hukum
Islamic International University Malaysia (IIUM)
Sabtu, 03/11/2012




PENYERAHAN CENDERA MATA OLEH 
Dr. Syamsuddin Arif 




























Islamisasi Sulawesi Selatan; Peran Ulama dan Raja-Raja
Profesor Madya. Dr. Kamaluddin Nurdin Marjuni
* Komentar atas makalah Islamisasi Sulawesi Selatan; Peran Raja dan Ulama, karya Ust. Ilham Kadir, BA. Dipresentasikan pada Seminar dan Bedah Jurnal Islamia Vol. 7, yang diselenggarakan oleh Islamic Studies Forum for Indonesia (ISFI), Sabtu, 3 November 2012, IIUM, Gombak, Selangor, Malaysia
Setiap pemerhati sejarah akan meneliti sebuah peristiwa kecil dalam proses pembentukan sejarah yang besar. Karena setiap peristiwa sekecil apapun akan selalu menjadi “a tremendous trifle”, sebuah kebaikan kecil akan selalu menjadi bagian dari proses kebaikan besar. Begitu pula halnya dengan kejadian-kejadian yang dialami oleh tokoh-tokoh pejuang, ulama di Nusantara.
Artikel Saudara Ust. Ilham Kadir bercerita secara gamblang mengenai sejarah dan perjuangan para ulama Makkassar. Sehingga pembaca bisa langsung mendalami alur-alur perjalanan sejarah para pejuang dan ulama Makassar yang eksis di zamannya. Mulai dari era Belanda, Jepang, sehingga pra kemerdekaan. Dan artikel ini mengupas secara singkat peranan tokoh yang ikut andil pada masa itu dengan susunan kalimat yang mudah dipahami.
Hidup sesungguhnya adalah pengulangan sejarah. Sejarah yang berulang namun dalam edisi berbeda. Pilihannya ada pada kita. Bagaimana kita menyiapkan edisi-edisi tersebut sesuai dengan tuntutan dan tantangan zaman.
Pada masa modern saat ini, pertarungan intelektual tidak hanya sebatas berpidato di atas mimbar, tetapi juga harus memperpanjang bentangan dakwahnya sampai ke alam maya. Tempat para blogger berdebat dan membangun opini. Tempat para facebooker berbagi informasi dll.
Apapun halnya, artikel ini adalah sebuah catatan sejarah masa lampau, yang perlu diambil i’tibar, serta dikenang sepanjang masa, -“BANGSA YANG BESAR ADALAH BANGSA YANG MENGHARGAI JASA-JASA PAHLAWANNYA”- namun jangan sampai mengkeramatkan pahlawan tersebut apalagi menyembahnya, sebab tiada yang ma’sum kecuali Nabi saw. Dalam artian kita harus membaca dan menggali, bukan memuja-muja setinggi langit. Seperti halnya orang Mesir sibuk dan larut memuji catatan sejarah mereka, sehingga berkesimpulan bahwa “Mashr Ummu ad-Dunya”.  Sampai terjadinya revolusi yang menyadarkan mereka tentang betapa ketinggalannya negara yang mereka cintai dibandingkan dengan negara membangun yang lainnya, sehingga mereka bangkit bersama menuntut kebebasan.
Sejarah Islam di Makassar
Dalam artikel disebutkan bahwa, awal kedatangan Islam di Makassar secara terang-terangan di bawa oleh tiga da’i yang berasal dari Minangkabau  yang dikenal dengan Datu’ Tellue, iaitu:
1)     Abdul Qadir (Datuk Ribandang).
2)     Sulung Sulaiman ((Datuk Patimang)
3)     Khatib Bungsu (Datuk ri Tiro).
Peranan Raja-Raja Makassar
Agama Islam resmi diterima di Makassar pada malam jum’at 22/9/1605. Dalam masa 2 tahun, tepatnya 9 November 1607 M penduduk Gowa dan Tallo telah masuk Islam, dan mengadakan shalat jum’at berjama’ah. Pada tahun 1609 M Islam menyebar ke kabupaten lain seperti Sidenreng Rappang dan Soppeng, Lalu selang setahun kemudian (1610 M) disusul oleh Wajo, dan  terakhir adalah kabupaten Bone, tepatnya pada tahun 1611 M.
Perkembangan pesat Islam dapat dilihat pada kepemimpinan Sultan Alauddin yang secara resmi pada tanggal 9/11/1667 M, mengeluarkan dektrit dengan menjadikan Islam sebagai agama resmi kerajaan dan masyarakat.
Tidak lama kemudian, sekitar abad ke 17, penjajah Belanda menjatuhkan kerajaan Islam, ditandai dengan jatuhnya Benteng Sombaopu –sebuah benteng kebanggaan yang dianggap sebagai mercu suar dan kebesaran Raja Gowa- ke tangan Laksamana Cornelis pada tanggal 24 Juni 1669 setelah bertempur selama 1 tahun 2 bulan.
Peperangan demi peperangan terjadi, sehingga membuat raja-raja di Makassar bersatu padu (koalisi Bugis-Makassar) untuk merebut kekuasaan dan mengusir penjajahan, namun kemenangan tetap pada pihak penjajah Belanda pada tahun 1904-1906 M.
Yang perlu dicatat adalah kerjasama Raja dengan Ulama dalam dakwah Islam telah terjalin lama. Disebutkan bahwa Raja Gowa (1936-1946 M) mendirikan Madrasah Islamiyah, bertempat di Jongaya, Gowa. yang berasaskan pendidikan Islam mazhab Syafi’i. Bahkan sebelumnya di wilayah Wajo pada tahun1926-1933 M, La Oddang Datu Larompong, Arung Matoa Wajo ke-47, memerintah Wajo, beliau dekat dengan ulama ketika itu, seperti Hajji Makkatu, KH. Muhammad As’ad, pendiri pesantren “As’adiyah”
Peranan Ulama di Makassar
Selain Datuk Tellue, Syekh Yusuf juga menjadi da’i besar di Makassar dan beliau berdakwah sampai ke Cape Town sehingga wafat di sana pada tahun 1699 M pada usia 73 tahun.
Pengaruh Syekh Yusuf di Afrika Selatan hingga saat ini masih sangat besar. Mantan Presiden Afrika Selatan yang juga pejuang anti-apartheid, Nelson Mandela, menyebut Syekh Yusuf sebagai salah seorang putra Afrika terbaik dan pemberi inspirasi bagi masyarakat setempat. Bahkan pemerintah Afrika Selatan pada tanggal 25 September 2005 lalu menganugerahkan gelar pahlawan nasional bagi Syekh Yusuf. Pemerintah Indonesia pun telah menetapkannya sebagai pahlawan nasional pada 1995.
Kewibawaan Ulama di Makassar
Di Makassar ulama diperhitungkan dalam strata sosial, sehingga sangat dihormati dan disegani. Hal ini dikutip oleh ust Ilham Kadir sendiri dari hasil bacaan sebuah buku yang ditulis oleh Andi Mattulada dengan judul “Sejarah Masyarakat dan Kebudayaan Sulawesi Selatan”. Dijelaskan bahwai komponen susunan dan fungsional masyarakat Bugis terdiri dari 5 unsur:
1)     To Mapparenta (Umara).
2)     To Panrita (Barisan Ulama)
3)     To Acca (Barisan Intelektual)
4)     To Sugi (Orang Kaya)
5)     To Warani (Jawara)
Melihat struktur dan strata sosial di Makassar, maka tidak salah kalau peran ulama menjelma sebagai sosok tempat ummat untuk konsultasi kejiwaan (Counseling), dengan menguraikan masalah-masalah agama, akidah dan fiqh serta mu’amalat,  serta persoalan-persoalan yang tidak bisa dijawab oleh akal manusia terutama masyarakat awam, tapi ulama mampu memberikan resepnya dengan pendekatan hati dan keikhlasan sebagaimana yang dilakukan oleh Datuk ri Tiro yang berdakwa di wilayah Tiro Bulukumba yang menganut faham animisme (Mistik). Dalam waktu yang sama Datuk Ribandang dan Datuk Patimang, keduanya menyebarkan dakwah melalui jalur birokrasi, sehingga metode penyampaian dakwah berbeda dengan rakan-rakannya yang lainnya.
Namun dalam konteks kekinian di Indonesia terjadi sebuah budaya “Gado-Gado” atau double Peranan,  terkadang umara merangkap menjadi ulama, dan begitupun sebaliknya ulama berusaha menjadi Umara. Sementara yang sejatinya adalah ulama menjadi penasehat umara saja. Sebab keadaan akan kacau kalau ulama naik taraf ketingkat umara, maka masalah akan timbul “siapa yang menasehati ulama”.
Sekilas Tentang KH. Muhammad As’ad
(AG) H. M. As‘ad. (Dalam masyarakat Bugis dahulu ia digelair Anre Gurutta Puang Aji Sade‘). Ia adalah putra Bugis, yang lahir di Mekkah pada hari Senin 12 Rabi‘ul Akhir 1326 H/1907 M dari pasangan Syekh H. Abd. Rasyid, seorang ulama asal Bugis yang bermukim di Makkah al-Mukarramah, dengan Hj. St. Saleha binti H. Abd. Rahman yang bergelar Guru Terru al-Bugisiy.
Pada akhir tahun 1347 H/1928 M, dalam usia sekitar 21 tahun, AG H. M. As‘ad merasa terpanggil untuk pulang ke tanah leluhur, tanah Bugis, guna menyebarkan dan mengajarkan agama Islam kepada penduduk tanah Wajo khususnya, dan Sulawesi pada umumnya. Dengan berbekal ilmu pengetahuan agama yang mendalam dan gelora panggilan ilahi, disertai semangat perjuangan yang membara. Pada waktu itu, memang berbagai macam bid‘ah dan khurafat masih mewarnai pengamalan agama Islam, yang disebabkan oleh kurangnya pendidikan dan da‘wah Islamiyah kepada mereka. Beliau berhasil membongkar lebih kurang 200 tempat penyembahan dan berhala. Pada tahun 1348 H/1929 M, Petta Arung Matoa Wajo, Andi Oddang, meminta nasehat Anre Gurutta H. M. As‘ad tentang pembangunan kembali masjid yang dikenal dengan nama Masjid Jami, yang terletak di tengah-tengah kota Sengkang pada waktu itu. Setelah mengadakan permusyawaratan dengan beberapa tokoh masyarakat Wajo, yaitu AG H. M. As‘ad, H. Donggala, La Baderu, La Tajang, Asten Pensiun, dan Guru Maudu, maka dicapailah kesepakatan bahwa mesjid yang sudah tua itu perlu dibangun kembali. Pembangunan kembali masjid itu dimulai pada bulan Rabiul Awal 1348 H/1929 M, dan selesai pada bulan Rabiul Awal 1349 H/1930 M. Setelah selesai pembangunannya, maka Masjid Jami itu diserahkan oleh Petta Arung Matoa Wajo Andi Oddang kepada AG H. M. As‘ad untuk digunakan sebagai tempat pengajian, pendidikan, dan da‘wah Islam. Sejak itulah AG H. M. As‘ad mendirikan madrasah di Mesjid Jami‘ itu, dan diberi nama al-Madrasah al-Arabiyyah al-Islamiyyah (MAI) Wajo.
Semua kegiatan persekolahan ini dipimpin langsung oleh AG H. M. As‘ad, dibantu oleh dua orang ulama besar, yaitu Sayid Abdullah Dahlan garut, mantan mufti besar Madinah al-Munawwarah, dan Syekh Abdul Jawad Bone. Ia juga dibantu oleh murid-murid senior beliau seperti AG H. Daud Ismali, dan almarhum AG H. Abd. Rahman Ambo Dalle (pendiri Pesantren DDI Makassar). Pesantren dan Madrasah yang didirikan dan dibina oleh AG H. M. As‘ad itulah yang menjadi cikal bakal Pondok Pesantren As‘adiyah sekarang.
AG H. M. As‘ad berpulang ke rahmatullah pada hari Senin 12 Rabiul Akhir 1372 H/29 Desember 1952 M. dalam usia 45 tahun. Sesuai dengan wasiat beliau beberapa saat sebelum wafat, peninggalannya yang berupa madrasah dan pesantren kemudian dilanjutkan pembinaannya oleh dua murid senior beliau; yaitu  AG H. Daud Ismail, dan AG H. M. Yunus Maratan. Pada tanggal 13 Agustus 1999 M, berdasarkan Undang-undang No. 6 Tahun 1959 M, dan Keppres RI No. 076/TK/Tahun 1999 M, presiden RI telah menganugerahkan tanda kehormatan Bintang Mahaputra Naraya kepada AG H. M. As‘ad, karena jasa-jasa beliau yang luar biasa terhadapa negara dan bangsa Indonesia. Tanda penghormatan itu diterima di Jakarta atas nama beliau oleh putra beliau, H. Abd. Rahman As‘ad.
Khatimah:
Betul kata Rasulullah Saw.  (العلماء ورثة الأنبياء) Ulama adalah pewaris para Nabi. Maksudnya hakikat peranan ulama adalah perpanjangan tangan daripara Nabi saw. Dan Indonesia pada dasarnya negeri para ulama, sehingga kalangan sekuler, liberal dan sejarawan non muslim akan kaget tak terkira bila mereka membuka file lembaran-lembaran sejarah nusantara. Karena dalam file-file sejarah kerajaan dan kesultanan Islam yang terbentang dari sabang sampai merauke dipenuhi dengan peran dan pengaruh agama yang dipelopori oleh para ulama Nusantara. Bahkan sebagian dari ulama nusantara tersebut bersaing di peringkat internasional, seperti, Syekh Yusuf Al-Makassari  (w 1699 M), yang dijuluki sebagai Abul Islam di Afrika Selatan. Syekh Muhammad bin Umar Nawawi Al-Bantani (w 1897 M), yang dimakamkan di Ma’la Saudi Arabia, dan dijuluki sebagai Sayyidul Ulama Hijaz.
Keberadaan mereka merupakan berkah bagi kaum muslimin.  Mereka memiliki jasa yang sangat besar dalam berdakwah dengan menanamkan nilai-nilai keislaman, bukan saja di tanah air, bahkan karya mereka dapat ditela’ah juga di dunia Internasional.  Semua ini merupakan bukti keberhasilan mereka dalam berdakwah dan semua itu telah dicatat rapih oleh sejarah ulama melalui sembangan karya tulis.